الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

حين تتحدث المدينة بصمتها بقلم نشأت البسيوني

حين تتحدث المدينة بصمتها
بقلم/نشأت البسيوني 

في كل شارع وكل ركن وكل زاوية من المدينة ثمة حياة خفية لا تراها العيون ولا يسمعها أحد تتحدث المدينة بصمتها عبر المباني القديمة والطرق المهجورة والازقة التي لم تطأها خطوات كثيرة منذ سنوات تتحدث عن الناس الذين عاشوا هنا ومن رحل ومن بقي ومن حاول ان يجد مكانه في هذا الامتداد المزدحم وتستمر المدينة في التحدث رغم اننا لا نسمعها كل نافذة مغلقة كل باب صدئ كل 

حائط متآكل يحمل قصة عن من عاش ومن تذكر ومن نسي المدينة تعلمنا الصبر دون كلمات تعلمنا ان الهدوء أحيانا أبلغ من الصراخ وان الظل أحيانا يحكي اكثر من الضوء وان التاريخ لا يكتب دائما بالحروف بل بالاماكن التي تحمل الذكرى في صمتها المدينة التي نتجاهلها غالبا تعلمنا اكثر مما نتخيل فهي تصنع وعينا بالفقد والحضور والغياب تعلمنا ان كل خطوة تركت اثرها وان كل قرار 

اتخذ هنا سيظل جزءا من الحكاية وان الناس مهما غادروا يبقى اثرهم في المكان مماثلا للبصمة في الرمل الصلب في الشوارع القديمة يمكن ان تشعر بوزن الزمن على الأكتاف حتى دون ان تعرف سبب هذا الاحساس تجد نفسك تتوقف امام نافذة مهملة او حائط متصدع وتشعر بان ثمة من كان هنا قبل عقود وربما قبل قرون وان الروح الانسانية لم تتغير وان التجارب تتكرر وان المدينة 

شاهدة وصامتة ومع ذلك تخبرك بكل ما تحتاج ان تعرفه كل زاوية في المدينة تحمل سؤالا لم يجيب عليه وكل رصيف يحمل حلم لم يحقق وكل بناء مهجور يحمل قصة عن صراع او فرح او فقدان او انتصار هذه المدينة لا تحاكم احدا لكنها تحفظ كل شيء في طياتها حتى لو لم يذكره التاريخ الرسمي او الصحف او الروايات ومع مرور الوقت يبدأ الانسان في فهم لغة المدينة الصامتة يكتشف ان 

الاصوات الكبيرة ليست دائما الاكثر صدقا وان الحكايات الصغيرة هي التي تترك اثرا دائما وان المرور السريع على الاماكن دون اهتمام يعني ان الكثير من الدروس ستفلت منه وان الصمت ليس غيابا بل وجود مختلف يحتاج الى وعي خاص المدينة تتحدث لكل من يريد ان يسمع بصبر تعلم الانسان ان الانتظار ليس خيبة وان العزلة ليست فراغا وان الفقدان ليس نهاية بل بداية جديدة وان التواضع 

امام حجم الاحداث وان صمت الاماكن اكثر تعليما من اي كتاب
ومع مرور السنين وتكرار المرات التي يمر فيها الانسان بنفس الشوارع يكتشف ان المدينة لم تتغير بل هو الذي تغير يرى المباني القديمة بنفسه بشكل مختلف يرى الازقة المظلمة كما لو كانت حاملة لرسائل لم يفهمها سابقا يشعر بان كل نافذة مغلقة تحمل حكاية كاملة عن انسان عاش وتعلم وفقد وربما لم يعد موجودا الا 

في هذه الاثر المتجسد عندما يغادر الانسان الشوارع القديمة وينظر الى المباني من بعيد يدرك انه لم يغادر المكان وحده بل انه ترك جزءا من نفسه هناك وانه اخذ مع كل خطوة فهم اعمق للحياة والناس والزمن وان المدينة الصامتة علمته ان كل شيء يمر وان كل أثر يبقى وان الجمال يكمن في الصمت وفي الانتظار وفي الملاحظة الدقيقة للحياة التي لا تظهر على السطح فقط وان 

الانسان حين يستمع بعين القلب يصبح قادرا على قراءة الاحداث بعمق اكثر ومعرفة قيمة الاماكن والناس والزمن وانه كل ما عاش في هذه المدينة الصامتة صار جزءا من تكوينه ومن ذاكرته ومن خبراته ومن حقيقته الداخلية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة بقلم فؤاد زاديكي

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة؟ بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تتبع تسمية مضيق هرمز مسارًا تاريخيًا ولغويًا طويلًا، يكشف عند تفكيكه أنّ...