مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 22 يناير 2026

فاجعة العمر بقلم ماهر اللطيف

«فاجعة العمر»
بقلم: ماهر اللطيف

كان مستلقيًا على ظهره على أريكته المفضّلة في بيت الجلوس، إثر أدائه صلاة العشاء جماعة في المسجد. يدعو الله، يحوقل، يسبّح، يستغفر. ينظر يمنة ويسرة فلا يجد أحدًا بجانبه.

زوجته رحيل تُعدّ الشاي في المطبخ، وابنته قطر الندى في غرفتها تتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي وتتواصل مع من تربطها بهم علاقات مختلفة، ونفس الشيء بالنسبة لـ ياقوتة أختها، الجالسة على فراشها المحاذي لفراش أختها في الغرفة ذاتها. أمّا راقي، الابن الأكبر، فكان خارج المنزل مع أترابه وخلّانه.

فجأة صاح الحاج إبراهيم عاليًا:
— «يا ربّ!»
ثم شرع يردّد الشهادة بصوت مرتفع. العرق يتصبّب من جسده كلّه، شعر بحرارة جارفة تكتسح بدنه النحيل العليل، ازرورق وجهه، تراخى جسده. حاول رفع يده وطلب النجدة، لكنّه لم يقدر. ثانية… فثالثة… دون جدوى، حتى غاب عن الوجود.

أتمّت رحيل مهمّتها، وضعت الكؤوس على طبق كالعادة ومعها بعض الحلويات، وهمّت بالخروج للالتحاق بالحاج إبراهيم ومشاركته السهرة، حين رنّ هاتفها. ظهر على الشاشة اسم أختها روعة. جلست على كرسي المطبخ، وشرعتا في حديث طويل معتاد؛ تتبادلان أطراف الكلام عن كلّ شيء، حتى لا يكاد يُفهم منه شيء، تهتمّان بالكبير والصغير، بالجيران والأقارب، وتهذيان لوقت طويل.

أمّا راقي، فكان يلعب الورق في مقهى الحيّ مع أبناء حارته، يتقاسم معهم الذنوب والمعاصي؛ من هتك أعراض الناس، وثلب هذا، وبثّ الإشاعات على تلك، إلى جانب تعمّد إيذاء أنفسهم بما يتقاسمونه من سموم معروفة في مثل هذه الأمكنة.

كان الحاج إبراهيم في عالم آخر…
جسدًا بلا حراك، جثّة هامدة، وحيدًا في بيت عامر بالناس. لا يعي شيئًا منذ أن انقطعت صلته بالمكان ومن فيه قبل دقائق، بعد أن كان في مناجاة صادقة مع خالقه؛ حديث خالص، مضمونه الدعاء له ولرحيل وبقيّة أفراد العائلة الصغيرة والموسّعة، ذوبان تام في حضرة عظمة الخالق جلّ جلاله.

خرجت ياقوتة بغتة إلى بيت الجلوس لتطلب من أمّها إيقاظها باكرًا لتلتحق بجامعتها في الوقت المحدّد، فلم تجدها. حاولت الاستفسار عنها، فسألت والدها مازحة كعادتها:
— «أين عجوزك أيّها الشاب الوسيم؟»
لم يجبها. أعادت السؤال أكثر من مرّة دون ردّ.

ارتعد جسدها حين رأت أباها ملقى بهذه الهيئة؛ سبّابة يده اليمنى خارجة عن بقيّة الأصابع كأنّه كان ينطق الشهادة، عيناه مغمضتان، وجهه مبتسم، والعرق يغمر جسده.
لمست جبينه فوجدته باردًا جدًّا. رفعت يده اليمنى فسقطت أرضًا. حرّكته في كلّ اتجاه فلم يستجب. وخزته بإصبعها عند بطنه، فلم يحرّك ساكنًا.
صرخت بأعلى صوتها:
— «النجدة… النجدة!»
لكن لا أحد أجاب.

جرت إلى أختها بصوت مرتعد، ممتلئ بالخوف والأسى والحزم:

— «أسرعي يا قطر الندى… يبدو أنّ والدنا مات».

— «كُفّي عن المزاح!» (مصدومة، صائحة)

— «لا أمزح، والله… الأمر جلل» (تبكي بحرقة)

قفزت قطر الندى من فراشها، اندفعت نحوه، ارتمت في أحضانه، قبّلته من كلّ مكان، امتزجت دموعها بدموعه العالقة على جفنيه. نادته، خاطبته، لكنّه لم يجب. جسّت نبضه مرارًا، ثم صاحت بفرح مرتجف:
— «ما زال قلبه ينبض! بسرعة، اتّصلي بالإسعاف! أو لننقله إلى المشفى!»

عثرت ياقوتة على أمّها وأبلغتها الخبر. سقط الهاتف من يد رحيل، تحطّمت شاشته. صرخت، جرت نحو شريك حياتها، احتضنته، قبّلته، توسّلت:
— «أرجوك لا ترحل… لا تتركني وحدي في هذه الغابة… انهض، افتح عينيك…»
اتّصلت ياقوتة بالإسعاف.

أما راقي، فقد أحدث ضجّة في المقهى، قلب الطاولة، بكى، ركض نحو البيت وخلفه جمع من الناس. نادى والده، ترجّاه ألّا يتركهم، دعا الله بحرقة.

وصلت سيارة الإسعاف بصافراتها التي أيقظت الحيّ. قدّم المسعفون الإسعافات الأوليّة، ثم نقلوا الحاج إبراهيم إلى المشفى على جناح السرعة.

لحقت به رحيل وأبناؤها في سيارة أحد الجيران، وهي تردّد بصوت مبحوح ودموعها تغمر ثيابها:
— «برهوم، أرجوك لا تتركني… هل تتذكّر يوم التقينا في المعهد قبل أربعين عامًا؟ يوم غازلتني فعاتبتك… تحدّيتني حتى نلت مرادك… قصّة حبّ عنيفة وجميلة… فهل تريد أن تنهيها اليوم؟»

وصلوا إلى المشفى. انتظروا خلف الأبواب المغلقة.
يحاولون التعلّق بأيّ خبر، بأيّ بصيص أمل…
لكن الطاقم الطبّي لا يزال يصارع لإنقاذ هذه الروح.

فهل سينجح؟
أم أنّ أجل الحاج إبراهيم قد حلّ؟
هل سيعود معهم إلى دار الفناء، أم سيسبقهم إلى البرزخ في انتظار يوم الحشر ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق