رمضان…
ليس شهرًا يمرّ في التقويم، بل حالةٌ سماويةٌ تهبط على الأرض في هيئة زمن. هو ذلك الضوء الخفيف الذي يتسلّل إلى القلب قبل أن يتسلّل إلى النوافذ، وتلك الرجفة الشفيفة التي تصيب الروح حين تسمع الأذان في مغربٍ أوّل.
في رمضان، يتبدّل إيقاع الحياة. تصبح الشمس أكثر لطفًا، كما لو أننا نصوم لها عن الدنيا. ويغدو الغروب حدثًا عاطفيًا، لا مجرّد نهاية يوم. تمتدّ المائدة، لكن الامتلاء الحقيقي لا يكون في البطون، بل في الطمأنينة التي تعبر الوجوه.
رمضان مدرسةُ السكينة. فيه تتخفّف النفس من ضجيجها، وتخلع عن قلبها غبار الأيام. كأن الروح تُغسَل كل مساءٍ بماء الدعاء، وتُعطّر كل سحرٍ باستغفارٍ طويلٍ يذوب فيه العبد بين يدي ربّه.
الليالي الرمضانية ليست ليالي اعتيادية؛
إنها مواسم لقاء. حين تصطفّ الأجساد في الصلاة، وتتساوى الأكتاف، يسقط الفرق بين غنيّ وفقير، وتذوب الكبرياء أمام جلال الوقوف بين يدي الله.
صوت القرآن الكريم، نعم صوت القرآن الكريم في رمضان ليس صوتًا يُسمَع فقط، بل نسيمًا يُحَسّ، يمرّ على الجراح فيهدّئها، ويطرق أبواب القلوب المغلقة فيفتحها برفقٍ عجيب. في كل آيةٍ وعدٌ، وفي كل سجدةٍ اعترافٌ جميلٌ بالعجز، وفي كل دمعةٍ سرٌّ بين العبد وربّه.
رمضان زمنُ الربّانية الخالصة. تخفّ فيه حِدّةُ الشهوات، وتعلو فيه رغبة القرب.
الناس تمشي أخفّ، تتكلم أهدأ، تسامح أسرع. كأن الشهر يُعيد ترتيب الداخل،
فيذكّر الإنسان بحقيقته الأولى: أنه عبدٌ محتاج، وأن الله هو الغنيّ الحميد.
وفي السحر…
آهٍ من سحر رمضان! حين يسكن كل شيء، وتبقى القلوب وحدها مستيقظة.
هناك، بين ظلمة الليل وخيط الفجر، يكون الدعاء أكثر صدقًا، وتكون الدموع أكثر نقاءً، ويكون الأمل أقرب مما نظن.
رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فقط،
بل امتناعٌ عن القسوة، عن الغيبة، عن الكِبر، عن كل ما يُثقِل الروح ويُبعدها عن نورها. هو تمرينٌ طويلٌ على الصفاء، وعلى أن نكون أفضل مما كنّا.
وفي نهايته، لا ينتهي. يبقى أثره في القلب، كأنّه زائرٌ كريمٌ مرّ، وترك خلفه عطرًا لا يزول. يبقى فينا شيءٌ من هدوئه، ومن دمعته، ومن خشوعه.
رمضان…
هو فرصةٌ لأن نعود إلى الله كما ينبغي،
وأن نعود إلى أنفسنا كما يجب، وأن نؤمن أن الطريق إلى السماء أقصر مما نتصوّر، حين نمشيه بقلوبٍ صائمةٍ... ومتوكّلةٍ…ومحبّة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق