َيَنظر الخَرِيف بنظرات الشريف العفيف إلى الطبيعة ويُمعن كما الإبصار بنظرات بديعة وقد نزعت الأقدار ما كانت ترتديه الطبيعة من نضارة الثياب الرفيعة في الأيام الخوالي الخالية من ثياب مُطرزة بالصفات العالية بنزع ما ترتديه أركانها مِنْ جلابيب بدون رياء أو أكاذيب فأوراق الأشجار قررت الأُفول والعودة عندما يتأذن القَبول فهي تأثرت بطباع ليست طِباعها وأصفَرَّت نَضارة جباهها بعد احتباس ما بها مِنْ نُبل الأخلاق فهكذا كان الرحيل والفِراق ولسوف تَلومها الطِباع التي هي أفتقدتها والتي أعطتها الطبيعة إليها وأهدتها فتغافلت عَنها ووضعتها وتَسكُن في أعماق النظرات جُروح يَستشعرها الخَرِيف بوضوح وكأنه يَدعو الأشجار أَنْ تعود إليها نَضارة الأبرار مِنُ رحمة وصدق وأمانة بعدما تم إحراق سُفن الإهانة فالعفة والصبر والحلم مِنْ أعلى درجات الإيمان والعلم فهل عَسيتم أن تَلبَّستم باللطف والكرم والتواضع وأولىئك عَاليهم ثياب تَطوف جميع المواضع والعدل والرفق والشكر كأنهم أنوار تتلألأ بتعاليم الذكر وترى الإيثار والبر وبذل المعروف يتعبد به الكريم ويَطوف وتَجنُّب السُوء وغَض البَصر لا يَزول بوجودهما الحياء ولا يحتضر ويُقسم الخَرِيف بوضوح بأن آلام تلك الجُروح لها نغزات تَجترح في أعماق النظرات فتظهر منها الهَفوات فها هي الأشجار وأوراق الصدق تَتَوضأ بوقار فالصدق مِيزان الإيمان التي تتزين به الأشجار وتزدان فتحتويه الأشجار باشتياق ولا تتركه يَتساقط كالأوراق وبُستان الأمانة والحلم لا تُهان به الأشجار ولا تَغتم والرحمة والصبر واللطف لا تَموت بهم الطبيعة ولا تَجف فالأشجار الحساسة النفضية تَستعيد الأوراق راضية مرضية فهي قد لفظتها خَوفا على أغصانها وعِزتها وسوف تَتَزين بها في قادم الأيام بثياب تَتَفجر نَضارتها ولا تنام ويُحيط بها الشُكر والرفق وجنائن التوافق والوفق وأكمام بساتين البر والكرم تتزين الأشجار بقناديلهما وتُحتَرم ويُغرد التواضع والإيثار بصفات أطهر الأشجار وبالقسم تُقسم وهي تَجزم أنَّ ما أسقطت أوراقها إلا لتتجنب تَساقط صفاتها وقد تَجمد ماء مشاعرها استعداد لقسوة أيام الشَّتاء ومواجعها وكل إنسان يَعرف أنَّ الشَّتاء له سُلطان يَأمر ويأتمر بأمر القَدر بعدما أحجم الضُوء عن بعض زياراته وأندثر وتباعد احتراما لمباديء الطبيعية وجميل طِباعها البَديعة وأحجَم الماء عن كامل سَريانه والدُخول في حالة سُكون إيمانه وهنالِك يَستحي الضُوء وترتعد الأجواء ولكن بهدوء وتُقرر الشمس أن تَخفض من اهتمامها وتُقر بأن السماء قد أوعزت إليها بنظامها فما كان من الأشجار إلا أن تَحتمي من تلك الأقدار من تَجمد وتَكسُّر سَنا أغصانها فلقد زادها الله بَسطة في بُنيانها وهُنالِك كثير من ذوات البصيرة اللاتي أوراقها صافية الوقار والسريرة فلا تُسقطها إلا ببطء شَديد وبشكل مُزهل وفَريد بحيث لا يَشعر بذاك الخَرِيف صَاحِب الفصل الوقور والعفيف وفي أعماق نظراته تَتَقلب الجُورح ويأمل أن تعود الأوراق بوضوح وتلتئم تلك الجُروح وتُصبح أعماق النَظرات بالمِسك تَفوح وبالقُبح لا تَبوح ويقف الخَرِيف مُرتَجلا وهو يُنشِد بفَصيح لِسان عَربي الزمان والمكان أُنشودة الوجدان /
أنا الخَرِيف و عَبق الأصل يَسكُنني
فهل سَألتم عني شُواهد الدَّهر
و إنني مُذ فَجر الزمان لا يُعجزَني
سَقطات السُفهاء وعواشِق العُهْر
فلا نَامت أَعيُن الشر وهي تَرمقني
وإنني للخَير نِبراس وللظُلم كالجَمر
فلا تَحسَبنَّ ظُلمَة الظلام تُؤرِّقُني
فكم من ظَلام تَتَفوَّح سنايَاه طُهر
ولا تَحسَبنَّ النور كالطير يَهجُرَني
فمالِك النور يَسُكن الوَجد والصَدر
وإنني لطريق خير لِمَنْ يَعبُرَني
وأُعَانِق الشِّتاء والصَّيف بلا هَجر
فَمنْ ذا الذي أُصاحبه ويُصاحبني
فالدفء مَتاعي والبرُودة والزُعر
فلتُسقِطَنَّ الأَشجَار دُمُوع تَخوُّفَها
فالفُروع والغُصون لا تَقبل القَهر
والفضائل نِعمَة الإله عَلها تُبصرَني
وإنني لا أجتَرِح من البَواطِل العُهْر
وإنني حقا القَيد أدّمَاني وكَبَّلني
وطِباعي الطِيب والوضوح والجَهر
ياليت الدِّيَار تَروق لبقايا صُحبَتي
وإنَّ لأخلاقي جَواهِر كالماس والدُّر
أوليس جِلباب الشَّتاء يُنادي غُربتي
ولي مع الصَّيف والربيع مُوائِد الدَّهر
فأنا الخَرِيف وعَبق الوضُوح يَعشَقَني
فهل سَألتم لَبِيب شَواهد الفَجر
كلمات وبقلم / علاء فتحي همام ،،
جمهورية مصر العربية ،،
٦ / ٢ / ٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق