مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 12 فبراير 2026

ثقافة الجند بقلم يحيى محمد سمونة

ثقافة الجند

حين أيقنت أن الرائد لن يفعل شيئا إزاء حالة العصيان التي قام بها عناصر الفوج داخل المطعم - و كنت واحدا منهم - [ قلت: هو لن يستطيع أن يفعل شيئا إزاء ذلك خشية مساءلة القيادة له عن تقصيره في الحفاظ على كمية و جودة طعام المطعمين من الجند، و ربما كانت مسألة فتح هكذا ملف يفضي إلى كشف حالات مستورة من الفساد الإداري سواء على مستوى القيادات العليا أو على مستوى قيادة الفوج و ضابط أمنه تحديدا ]

حين أيقنت أن الرائد لن يفعل شيئا إزاء ذلك العصيان؛ عندها قررت أن أقتنص اللحظة و أميط اللثام عن جوهر المشكلة، لعلها زعانف الرائد تتحطم و يغدو وقافا عند حده الطبيعي 

رفعت يدي طالبا الأذن بالحديث، و حين سمح لي الرائد بذلك، قلت بكل هدوء و ثقة - يرافق ذلك نظرات قوية و تحديق بالرائد - قلت: في الأصل فإن العلاقة بين الجندي و القائد يجب أن تقوم وفق تلاحم و أخوة، لا أن تقوم وفق طريقة آمر و مأمور. قال - بعد برهة صمت - : صدقت، ولكن مالذي يحول دون استهتار الجندي و ألا يشتط و يرفع حاجز الانضباط بينه و بين قيادته؟

قلت له: سيادة الرائد: المعاملة بالحسنى وحدها تجعل الجندي رغما عنه ملتزما و منضبطا دونما شطط، و عدا عن ذلك فإن المثقف بثقافة عليا، تردعه ثقافته عن شطط و تفاهة و سلوك أخرق [ كنت بذلك أنبه الرائد إلى أن معالجة الأزمات لا تكون باستنزاف الجند تحت سطوة الإرهاب النفسي و المعنوي و المادي ]

التفت الرائد موجها كلامه إلى كافة العناصر - في محاولة منه الظهور بمظهر القيادي الديمقراطي - و قال: أرى أن كلام صاحب اللحية هذا صحيحا، فما تقولون أنتم ؟

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 120
******
على حب و تعاضد

لم أزل أقص عليكم أيها الأحباب قصصاََ عايشتها بنفسي يوم كنت في خدمة العلم في الفوج39 إشارة - و ذلك اعتباراََ من العام 1978 إلى نهاية العام 1981 - و قد كنت أروي تلك القصص لرفيق سفري من دمشق إلى حلب و نحن في إجازة، عسانا نتناسى مشقة السفر، و قوافل الشوق و الحنين التي تعتلج في صدورنا بانتظار لقاء الأهل و الأحبة 

إنها بضع حكايات، ما كنت فيها بطلاََ، بل كنت الشاهد الذي يلمح بعين البصيرة مواقع الضعف و القوة في أقوال و أفعال و أحوال شخوص تلك الحكايات - و ربما كنت في بعض تلك الحكايات بطلاََ يحمل في ثنايا صدره رسائل حب و وئام للذين لا يتعاملون معي من منطلق طائفي بغيض -

كنت قد وصلت معكم أيها الأحباب - و أنا أسرد تلك الحكايا - إلى ذاك الحوار غير المتكافئ بين جند مثقف ثار رافضاََ لضباط يسرقون طعامه، و بين ضباط لا ثقافة لهم ولا ذمة ولا ضمير، بل تميزت أفعالهم بغطرسة و فظاظة و قلة أمانة

و حين أجبت الرائد عن سؤاله حول نمط العلاقة بين الجند و القيادة كيف يجب أن تكون، رأيته و لأول مرة يتخلى - الرائد - عن عنجهيته و يستحسن إجابتي [ كان ذلك منه من قبيل محاولة الظهور بمظهر الرجل الحضاري ] و يلتفت إلى بقية الجند و يقول: إجابة صاحب اللحية هذا صحيحة، فمن منكم يرى غير ذلك؟ [ قلت: كان إذ أشار إلي بقوله: " صاحب اللحية هذا " قد أساء إلي بطريقة متعمدة لأن صدره لا يتسع لأصحاب اللحى بأي حال من الأحوال ]

كان بين الجند من يتملق للرائد، فقال: مادمت يا سيادة الرائد قد رأيت صحة كلامه فهو إذن صحيح.
و كان بينهم من يحمل تجاهي مودةََ، فقال: هاد الشيخ يحيى هو أحلى شيخ عندنا في الفوج. فقال الرائد: أنا أسأل عن الإجابة التي أجاب بها ولا أسأل عن شخصه 
و قال جندي آخر : فعلاََ يا سيادة الرائد لا بد للعلاقة بين الجندي و القائد أن تبنى على أساس من الألفة و المودة

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 121

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق