بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل إنسان ممرات خفية لا يتحدث عنها ولا يعرفها غيره تلك الممرات لا تبنى بالحجارة ولا تضاء بالمصابيح بل تصنعها التجارب التي تعبر الروح في صمت وتصنعها اللحظات التي لم نخبر بها أحد لأن الألم حين يزورنا لا يطلب إذناً ولا يمنح فرصة لشرح ما حدث بل يقتحم القلب ويترك وراءه ممراً جديداً لا يراه أحد لكنه يغير نظرتنا لكل شيء من حولنا فهناك ممر صنعته خيبة وثقنا أنها
لن تأتي يوما فجاءت بقسوة غير متوقعة وممر آخر صنعه شخص مر في حياتنا كأنه نسمة خفيفة ثم حمل معه جزءاً من طيبتنا دون أن ندري وهناك ممر يفتحه الفرح المفاجئ الذي يجعلنا نصدق للحظة أن العالم ممكن أن يكون أحن مما هو عليه وممر يفتحه فقدان نتعلم منه أن الأشياء التي نحبها ليست ملكاً لنا بل عابرة حتى وإن ظلت في قلوبنا سنوات طويلة وهذه الممرات لا تمحى
لأنها ليست طرقاً نختار السير فيها بل هي طرق تفرض علينا من خلال ما نعبره من مشاعر وما نستقبله من لحظات وما نخسره وما نربحه وما نتصوره حقيقة فيتضح لاحقاً أنه مجرد ظل وما نظنه وهماً فيتحول أمامنا إلى يقين لا يمكن تجاهله ومع كل ممر جديد نبدأ في إعادة ترتيب أنفسنا بشكل مختلف فالأشياء التي كانت تثير خوفنا لم تعد تخيفنا والأشخاص الذين كنا نمنحهم مساحة أكبر مما
يستحقون يغادرون دون أن يتركوا فراغاً والوعود التي كنا نعتبرها أساساً للثقة صارت مجرد كلمات تذروها الرياح عندما تُختبَر
وما نجهله أن هذه الممرات هي التي تصنع نضجنا الحقيقي لأنها تجعلنا نرى أنفسنا من زاوية لم نرها من قبل وتجعلنا ننتبه لخطواتنا وتجعلنا نفهم أن كل شعور مهما كان بسيطاً له أثر وأن كل قرار مهما بدا صغيراً يغير شيئاً في مسار حياتنا وأن القلب الذي يتألم مرة
يتعلم عشر مرات وأن العقل الذي يصمت أمام المواقف لا يعني أنه لم يفهم بل يعني أنه أدرك أكثر مما يجب ندرك أن هذه الممرات ليست عبئاً بل نعمة خفية لأنها تمنحنا القدرة على أن نعرف أنفسنا كما هي دون أقنعة وتجعلنا نميز ما يستحق البقاء وما يجب أن يغادر وتجعلنا نفهم أن الحياة ليست سباقاً لنثبت فيه شيئاً لأحد بل رحلة نمر فيها بالأماكن التي تبنينا من الداخل وتترك فينا أثراً لا يراه أحد لكنه يشكل كل ما نصبح عليه بعد ذلك
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق