الخميس، 5 مارس 2026

اَللِّي فَاتْ مَاتْ بقلم فُؤَاد زَادِيكِي

اَللِّي فَاتْ مَاتْ
(قِرَاءَةٌ فِي مَثَلٍ آزخي)

بِقَلَم: فُؤَاد زَادِيكِي

اَلْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ والآزِخِيُّ أيضًا "اَللِّي فَاتْ مَاتْ" مِنَ الْأَمْثَالِ الْعَرَبِيَّةِ الشَّائِعَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ فِكْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعَامُلِ مَعَ الْمَاضِي. فَالْمَعْنَى الْحَرْفِيُّ لَهُ أَنَّ مَا مَضَى قَدِ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ مَاتَ، وَلَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ أَوْ تَغْيِيرُهُ، أَمَّا مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ فَيُشِيرُ إِلَى ضَرُورَةِ عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِمَا حَدَثَ سَابِقًا أَوِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنَ الْوَاقِعِ. لِذَلِكَ يُقَالُ هَذَا الْمَثَلُ عَادَةً لِتَشْجِيعِ الْإِنْسَانِ عَلَى تَجَاوُزِ أَخْطَائِهِ، وَالتَّعَلُّمِ مِنْهَا بَدَلَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا، أَوْ لِمُوَاسَاتِهِ عِنْدَمَا تَضِيعُ مِنْهُ فُرْصَةٌ أَوْ يَتَعَرَّضُ لِخَسَارَةٍ مَا، فَيَكُونُ الْقَصْدُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الْبَدْءِ مِنْ جَدِيدٍ وَالتَّرْكِيزِ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ بَدَلَ اجْتِرَارِ الْمَاضِي.
وَيُسْتَعْمَلُ الْمَثَلُ كَذَلِكَ عِنْدَ الصُّلْحِ بَعْدَ خِصَامٍ، حَيْثُ يُرَادُ بِهِ طَيُّ صَفْحَةِ الْخِلَافِ وَفَتْحُ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ دُونَ الْعَوْدَةِ إِلَى تَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ، كَمَا يُقَالُ أَحْيَانًا فِي بِدَايَاتِ الْمَرَاحِلِ الْجَدِيدَةِ مِنَ الْحَيَاةِ، كَتَغْيِيرِ عَمَلٍ أَوْ بِدَايَةِ عَامٍ جَدِيدٍ، لِيَحْمِلَ مَعْنَى التَّفَاؤُلِ وَالِانْطِلَاقِ مِنْ نُقْطَةٍ جَدِيدَةٍ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ، رَغْمَ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ دَعْوَةٍ إِيـجَابِيَّةٍ إِلَى الْقَبُولِ وَالتَّسَامُحِ، قَدْ يُسْتَخْدَمُ أَحْيَانًا بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ، كَأَنْ يُقَالُ لِشَخْصٍ مَا زَالَ مُتَأَلِّمًا دُونَ الِاعْتِرَافِ بِمَشَاعِرِهِ، أَوْ لِلتَّغْطِيَةِ عَلَى مُشْكِلَةٍ لَمْ تُحَلَّ بَعْدُ، فَيَتَحَوَّلُ مِنْ عِبَارَةِ مُوَاسَاةٍ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِ الْأَلَمِ أَوِ التَّهَرُّبِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
فِي جَوْهَرِهِ يَعْكِسُ الْمَثَلُ حِكْمَةً اجْتِمَاعِيَّةً عَمِيقَةً مَفَادُهَا أَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُ، وَأَنَّ السَّلَامَ النَّفْسِيَّ يَتَحَقَّقُ حِينَ نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نُغْلِقُ الْأَبْوَابَ الَّتِي انْتَهَى وَقْتُهَا، وَنُوَجِّهُ طَاقَتَنَا لِمَا نَسْتَطِيعُ التَّأْثِيرَ فِيهِ. فَهُوَ دَعْوَةٌ إِلَى تَقَبُّلِ مَا حَدَثَ، وَالتَّخَفُّفِ مِنْ ثِقْلِ النَّدَمِ، وَالْإِيـمَانِ بِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ خَطَأٍ أَوْ خَسَارَةٍ، بَلْ تَسْتَمِرُّ، وَمَا دَامَ الْحَاضِرُ بَيْنَ أَيْدِينَا فَبِوُسْعِنَا أَنْ نَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا أَفْضَلَ.

وفي هَذا أقُولُ:

دَعِ الماضِي لِمَن رَحَلُوا وغابُوا ... ففِي طَيِّ السِّنينِ لَهُ جَوَابُ

وقُلْ "ماتَ الذي قد فاتَ" عَفوًا ... بِقَلبٍ لا يُكَدِّرُهُ عِتَابُ

ولكنَّ المنَاقِبَ لَيسَ تَمضِي ... تُخَلِّدُها المآثِرُ والكِتَابُ

(فآزِخُ) لم يَمُتْ، بالبَالِ ذِكْرٌ ... وَمِنْ أديَارِها صَوتٌ مُجَابُ

نُسَامِحُ بالجِراحِ لِكَي نَوَاسِي ... وفي صَوْنِ التُّراثِ لَنا انْتِسابُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ضحكتك بقلم خالد جمال

ضحكِتك ،،، ضحكة ايه اللي اتشدوا ليها  دانتي سابقة بضحكتك أحلى ضحكة اتغنوا بيها تايهة ضايعة في سكتك مانتي لازم تمحي فيها  لما تيجي في حتتك دا...