مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 5 مارس 2026

رحلة الضياع كابوس ليلةٍ طويلة بقلم يعقوب أحمد ناصر الناصري

رحلة الضياع كابوس ليلةٍ طويلة

أيها القارئ الكريم دعني أضع بين يديك حكايةً لا أدري كيف أصنفها؛ أهي واقع عشته أم خيال مرّ بي أم رؤيا عابرة من رؤى الليل ليست قصةً متخيلة تمامًا ولا حادثةً واضحة المعالم لكنها تجربة عجيبة عشت تفاصيلها لحظةً بلحظة حتى خُيّل إليّ أنها الحقيقة

البداية في مساءٍ هادئ اجتمعت الأسرة في مجلس البيت
قالت الأم أمّ صالح ومعها الأخوات
نحتاج إلى حاجات البيت من القمح والدقيق وبعض المستلزمات الأخرى
فقال الأب أبو صالح مخاطبًا أبناءه
يا صالح اذهب صباحًا إلى السوق وخذ معك أخاك سالم وليذهب معكما ابن أخيكما راشد ليساعدكما
فرح الثلاثة بالمهمة فهي رحلة إلى السوق الكبير فناموا مبكرين استعدادًا ليومهم

بداية الرحلة مع أذان الفجر استيقظ صالح فأيقظ أخاه سالم وابن أخيه راشد
صلّوا الفجر ثم انطلقوا في طريقهم
كانت الطريق مألوفة يسلكونها دائمًا ولم يحدث فيها شيء يلفت الانتباه
وبعد ساعات وصلوا إلى السوق وبدأوا يتنقلون بين المتاجر يشترون حاجات البيت
مرّوا على دكاكين القمح والدقيق ثم بقية المتطلبات وكانوا كلما انتهوا من متجر دخلوا آخر
ومع كثرة الانشغال مضى الوقت سريعًا دون أن يشعروا
قال سالم أخيرًا
لقد تأخرنا فلنعد إلى البيت

بداية الغرابة في طريق العودة كان التعب قد بلغ من صالح مبلغًا كبيرًا فاستسلم للنوم من شدة الإرهاق
وفجأة استيقظ
لكنه شعر بشيء غريب
كان في مكان يعرفه وفي الوقت نفسه لا يعرفه
نظر يمينًا ويسارًا الطريق مألوفة لكن إحساسه يقول إنها ليست هي
تردد في سؤال الناس خوفًا من أن يسخروا منه فهذه الطريق التي يسلكها دائمًا
لكن الحيرة كانت تأكل قلبه

وصول بلا إدراك وبينما هو في شروده وجد نفسه قد وصل إلى البيت
دخل المنزل وهو يتساءل في نفسه كيف وصلت ومتى وصلت..؟

وسأل أمه
يا أمّاه ما الحاجات التي لم نجدها في السوق..؟
فقالت أم صالح
بقي القمح الجيد وبعض الأشياء التي طلبها والدك
فحزن صالح كثيرًا لأن تلك الحاجات كانت أهم ما خرجوا لأجله

لغز الغياب ثم التفت حوله فلاحظ شيئًا أربكه أكثر
راشد لم يصل معهم
خرج مسرعًا يبحث عنه وبعد جهدٍ وجده في طريقٍ أخرى غير الطريق المعتادة يحمل بعض المتطلبات
لكن الأسئلة بقيت بلا جواب
كيف انفرد..؟
 كيف ضل الطريق..؟ ولماذا تأخر..؟
أخذ صالح الأغراض وساعده وعادا إلى البيت
لكن ذهنه كان مثقلًا بالحيرة وقلبه مملوءًا بقلقٍ لا يعرف سببه

يومٌ ثقيل بعد العصر ذهب صالح إلى المزرعة حيث يعمل أخوهز الآخر سعيد بين المواشي
تبادلا الحديث من بعيد لكن العمل شغلهما عن اللقاء
عاد إلى البيت مرهقًا فنام سريعًا
وفي الصباح ذهب إلى عمله مع ابن أخيه ماجد
اجتمع بزملائه وصاحب العمل
لكنه كان شارد الذهن كأن روحه في مكان آخر
العجيب أن الزبائن كانوا يأتون إليه ثم ينصرفون دون أن يشتروا شيئًا
أما زملاؤه وابن أخيه الصغير ماجد فكل من يقصدهم يشتري ما يريد
مرّ اليوم عليه طويلًا ثقيلًا كأن الزمن توقف

الضياع وأخيرًا اقترب وقت انتهاء الدوام
نادى صالح ابن أخيه
يا ماجد تعال لنعد إلى البيت
خرجا معًا وكان في يد صالح كيس لا يدري ما بداخله
أعطاه لماجد وقال
هيا هل تعرف الطريق إلى المنزل..؟
ضحك ماجد وقال بثقة
بالطبع أعرفها
تقدم ماجد الطريق بينما صالح يمشي خلفه شارد الذهن ينظر يمينًا ويسارًا
لكن الطريق لم توصلهم إلى البيت
وكلما مشوا أكثر ازداد الضيق في صدره
بدأ القلق يتحول إلى خوف والخوف إلى يأس
حتى كاد يظن أنه ضاع إلى الأبد

النهاية وفجأة سمع صوتًا يناديه
صالح
 صالح
انتفض من مكانه مذعورًا وفتح عينيه
ليكتشف الحقيقة
لم يكن في سوق ولا في طريق
ولا في ضياع
لقد كان في حلم
تنفّس بعمق وحمد الله أن ما عاشه لم يكن حقيقة بل كابوسًا طويلًا

الخاتمة كانت ليلةً من أطول الليالي اختلط فيها الحلم بالواقع والطرق بالضياع والعقل بالحيرة
وفي النهاية لم يقل بطل القصة إلا
الحمد لله ما كان إلا كابوسًا
ونسأل الله أن لا يري أحدًا واقع مثل هذه الأحلام ولا خيالها

🖋️/يعقوب أحمد ناصر الناصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق