▪︎▪︎▪︎▪︎
الليل يهبط على المدينة كغطاء ثقيل، يثقل الأرصفة ويسكت السيارات.
الشارع خالٍ إلا من أضواء خافتة تتسلل من المصابيح المتعبة، ومن مذياع بعيد يصدح بصوت الشيخ النقشبندي:
"يظن الناس بي خيرًا، وإني لشرّ الناس إن لم تعفُ عني..."
يمشي رجب متمايلًا، خطواته تتعثّر، ورائحة الخمر تتقدّم خطواته كظل ثقيل يرافقه.
ضحك بصوت أجشّ وهو يتذكّر آخر جلسة في الجراج:
جلسوا وزجاجات الخمر تتطاير بينهم، وضحكاتهم المتقطعة تختلط بأنفاسهم الثقيلة.
يتساءلوا عن مصيرهم، ويسخرون من أنفسهم ومن الأخطاء التي ارتكبوها في حياتهم الضائعة.
عندما رفع أحدهم الكأس متلعثماً، قال:
"احنا كمان لينا نصيب من جنة الأسياد."
لم يكن الحديث عن جنة الآخرة بالضرورة، بل عن غطاء وهمي للراحة، جنة يخلقها الإنسان لنفسه وسط ضياعه، وهم يعرفون في أعماقهم أنهم يبتعدون عن الحقيقة، ويضحكون على أنفسهم كنوع من الندم، بينما يختلط سُكرهم بالوجع الخفي للضمير.
وصل إلى باب المنزل، سند جسده على الحائط، يحاول الصعود إلى شقته في الطابق الثالث.
السلم مظلم، خطواته تتقاطع مع خفقان قلبه، كأن كل درجة تسحب منه ذنوب عمره الطويل.
كل صرير خشبي تحت قدميه يذكّره بخطيئة ارتكبها، وكل ظل يلمحه يهمس في أذنه:
"هذا الطريق الذي اخترته، هل تراه صحيحًا؟"
عند الباب توقّف.
صوت خافت يتسرّب من الشقة — همهمات، بكاء، دعاء.
فتح الباب ببطء، فوجد هدى، ابنته الوحيدة، ساجدة على السجادة، تبكي بحرقة.
كانت تصلي قيام الليل، وعينيها تعكس نورًا لا يراه رجب إلا في لحظة ضعفه.
وقف متأرجحًا خلفها، بين الخجل والرغبة في البكاء، ثم جلس على الأرض وأسند ظهره إلى الحائط، ورائحة الخمر تختلط برائحة البخور.
أنهت صلاتها، التفتت نحوه، عيناها مبللتان بالدموع، تنظر إلى قلبه قبل وجهه.
"بابا… امتى هترجع تصلي؟"
لم يجب فورًا، بل أطلق ضحكة مكسورة كأنها تنهيدة العمر كله.
"أنا؟ أصلي؟… يا بنتي، أنا بقيت جزء من الغلط. طول عمري بكذب، بطبّل، بخون ضميري، وبسمي ده شغل."
رفع يده المرتجفة كمن يعترف أمام محكمة السماء.
"كل ما أشوف حد صالح، أهاجمه… مش كره فيه، لكن عجز. مش قادر أبقى زيه."
خفض رأسه، والدمع انساب على خديه.
"ادعيلي يا هدى… يمكن إنتي الشئ الوحيد الصح اللي طلع مني."
اقتربت منه، أمسكت يده الباردة، شعرت برجفة عميقة تمرّ في جسمه.
كان جسده يرتجف، وصدره يعلو ويهبط كأن كل نفس يقتله قليلاً، ثم يعيده إلى الحياة.
قال بصوت واهن، لكنه مملوء بالرجاء:
"تعبت من وجهي ده، من صوتي وأنا بجامل الكذابين. حسّيت إني لما بموت كل يوم، ربنا بيأجّل موتي الحقيقي… عشان يمكن أندم."
رفع رأسه، عينيه تتعقبان شيئًا بعيدًا، ضوءًا أو ظلًا، لم يعرف أيهما:
"في نور… بعيد… بس في وشوش بينهم وبينه. نفس الوشوش اللي كنت بخدمها!"
شهق، ثم همس برجاء طفل: "هو ربنا ممكن يغفرلي؟"
قالت هدى وهي تمسح دموعها:
"يغفرلك يا بابا، بس قولها… قول لا إله إلا الله."
تحرّكت شفتاه بصعوبة، ويداه ترتعشان في الهواء، كأنه يلمس شيئًا بين الظل والنور.
"شايف أمك يا هدى… بتضحكلي… والشيخ النقشبندي بيقولها تاني."
ارتفع الصوت من المذياع البعيد، خافتًا، كأنه يخرج من السماء:
"يا رب إن عظُمت ذنوبي كثرةً، فلقد علمت بأن عفوك أعظم..."
ابتسم رجب، وزفر آخر أنفاسه، لتغمر الغرفة سكينة غريبة، كأن الليل نفسه تراجع احترامًا لتوبة أحد أبنائه متأخرًا.
خارج النافذة، خيط رفيع من الضوء بدأ يشقّ العتمة.
هدى سجدت بجواره، تبكي وتهمس:
"اللهم اجعل ندمه توبة، وذنبه رحمة."
ومع أول شعاع فجر، سكت المذياع…
وساد الصمت.
وكأن المدينة كلها تنتظر، حاملة مع رجب لحظة صفاء أخيرة، بين الرحمة والغفران والندم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق