سُلُوكُ الْهُرُوبِ مِنَ الْحِوَارِ: بَيْنَ الْعَجْزِ الْفِكْرِيِّ وَالِانْحِدَارِ الْأَخْلَاقِيِّ
بقلم الكاتب فؤاد زاديكي
يُعَدُّ الْحِوَارُ الرَّاقِي وَسِيلَةً أَسَاسِيَّةً لِتَبَادُلِ الْأَفْكَارِ وَتَطْوِيرِ الْمَعَارِفِ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَالِاسْتِمَاعِ الْجَيِّدِ، وَالِاسْتِنَادِ إِلَى الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ. وَلَكِنَّنَا نُصَادِفُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ نَمَطًا مِنَ الْأَشْخَاصِ يَدَّعُونَ الرَّغْبَةَ فِي النِّقَاشِ، ثُمَّ مَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَنْحَرِفُوا عَنْ مَسَارِهِ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبَارٍ حَقِيقِيٍّ لِقُدُرَاتِهِمُ الْفِكْرِيَّةِ.
هَذَا النَّمَطُ مِنَ الْأَفْرَادِ يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ يَعَانِي مِنْ ضَعْفٍ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى التَّحْلِيلِ وَالْإِقْنَاعِ، فَإِذَا مَا وَاجَهَ فِكْرَةً لَا يَمْتَلِكُ لَهَا رَدًّا مَنْطِقِيًّا، انْتَقَلَ سَرِيعًا مِنْ نِقَاشِ الْأَفْكَارِ إِلَى مُهَاجَمَةِ الْأَشْخَاصِ. وَهَذَا السُّلُوكُ يُعْرَفُ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ بِـ"الِانْزِلَاقِ إِلَى الشَّخْصَنَةِ"، حَيْثُ يُسْتَبْدَلُ النِّقَاشُ الْمَوْضُوعِيُّ بِهُجُومٍ شَخْصِيٍّ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِجَوْهَرِ الْمَوْضُوعِ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ، يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذَا السُّلُوكِ عَلَى أَنَّهُ آليَّةُ دِفَاعٍ، فَالشَّخْصُ الَّذِي يَشْعُرُ بِالْعَجْزِ أَوِ الضَّعْفِ أَمَامَ حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، يَحَاوِلُ التَّعْوِيضَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّهَجُّمِ وَالرَّفْعِ مِنْ نَبْرَةِ الْخِطَابِ. وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، يَكُونُ هَذَا السُّلُوكُ دَلِيلًا عَلَى فَقْرٍ مَعْرِفِيٍّ وَعَدَمِ قُدْرَةٍ عَلَى بِنَاءِ رَأْيٍ مُتَمَاسِكٍ، لَا عَلَى قُوَّةٍ أَوْ ثِقَةٍ كَمَا يَتَوَهَّمُ صَاحِبُهُ.
كَمَا أَنَّ تِكْرَارَ الْأَفْكَارِ السَّطْحِيَّةِ وَالدَّوَرَانَ فِي حَلَقَةٍ مُفْرَغَةٍ دُونَ تَقَدُّمٍ فِي النِّقَاشِ، يُشِيرُ إِلَى غِيَابِ الْمَنْهَجِيَّةِ فِي التَّفْكِيرِ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَشْخَاصِ لَا يَدْخُلُ الْحِوَارَ بُغْيَةَ الْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَةٍ أَوْ تَوْسِيعِ أُفُقِهِ، بَلْ لِإِثْبَاتِ ذَاتِهِ أَوْ فَرْضِ حُضُورِهِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ أَخْلَاقِيَّةٍ.
أَمَّا فِيمَا يَخُصُّ التَّعَامُلَ مَعَ هَؤُلَاءِ، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَلَّا يُسْتَدْرَجَ الْمَرْءُ إِلَى مُسْتَوَاهُمْ. فَالِانْخِرَاطُ فِي نِقَاشٍ مَعَ شَخْصٍ يَرْفُضُ قَوَاعِدَ الْحِوَارِ أَصْلًا، هُوَ إِضَاعَةٌ لِلْوَقْتِ وَالْجُهْدِ. وَمِنَ الْأَفْضَلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ:
الِالْتِزَامُ بِالْهُدُوءِ وَعَدَمُ الرَّدِّ عَلَى الْإِسَاءَاتِ بِمِثْلِهَا.
إِعَادَةُ تَوْجِيهِ النِّقَاشِ إِلَى الْمَوْضُوعِ إِنْ أَمْكَنَ.
تَجَاهُلُ الْهُجُومِ الشَّخْصِيِّ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى أُسْلُوبٍ سَائِدٍ.
الِانْسِحَابُ بِأَدَبٍ عِنْدَ التَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ جَدْوَى الْحِوَارِ.
فَلَيْسَ كُلُّ نِقَاشٍ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِمْرَارَ، وَلَيْسَ كُلُّ مُحَاوِرٍ جَادًّا فِي طَلَبِ الْحَقِيقَةِ. وَإِنَّ الِارْتِقَاءَ بِالْحِوَارِ يَبْدَأُ بِاخْتِيَارِ مَنْ نُحَاوِرُهُ، قَبْلَ اخْتِيَارِ مَا نَقُولُهُ.
وَفِي الْخِتَامِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا السُّلُوكِ لَا يُعَبِّرُ إِلَّا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَنْتَقِصُ مِنْ قِيمَةِ الطَّرْحِ الْمَوْضُوعِيِّ. بَلْ قَدْ يَكُونُ دَلِيلًا غَيْرَ مُبَاشِرٍ عَلَى قُوَّةِ الْفِكْرَةِ الَّتِي عَجَزَ عَنْ مُوَاجَهَتِهَا، فَاخْتَارَ الْهُرُوبَ مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ: الشَّخْصَنَةُ وَالِانْحِدَارُ فِي الْخِطَابِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق