الأربعاء، 22 أبريل 2026

صبر صبري بقلم ماهر اللطيف

صبر صبري

بقلم: ماهر اللطيف /تونس

رنّ جرس هاتف صبري المحمول وهو عائد من السوق صباحًا بعد صلاة الفجر.

تثاقل في معرفة هوية المتصل، إذ لم يعد بصره كما كان. حدّق في الشاشة بصعوبة، ثم رفع رأسه وألقى نظرة يمنة ويسرة خشية أن يُختطف هاتفه.

توقف قليلًا، وضع أكياس مشترياته أرضًا، وقال بصوته الرقيق الذي عبثت به السنون:

– ألو! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من المتحدث؟

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخ صبري. هنيئًا لك، لقد ربحت معنا عمرة.

تردد، ثم قال بنبرة حذرة:
– من أنتم يا بني؟ أرجوك، لا تسخر مني.

– نحن إذاعة المدينة الجهوية. أجرينا مسابقة دينية، وربح جائزتها أحد المشاركين، وينصّ قانونها على فوز مستمع عبر القرعة من خلال أرقام الهواتف، وقد كنت أنت الفائز.

لم يصدق ما سمع. تذكّر حكايات التحيل، لكن شيئًا داخله همس: لن أخسر شيئًا إن تأكدت.

غيّر وجهته نحو مقر الإذاعة، واتصل بزوجته ردينة ليخبرها، وهو يمني النفس أخيرًا بزيارة مكة، وأداء عمرة طالما حلم بها، لكن ضيق العيش حال دونها.

وفي الطريق، عاد به الزمن إلى وعوده لردينة… كيف كان يؤكد لها أنه سيجتهد ليؤمّن لهما عمرة، وكيف كانت تبتسم وتقول:
"إن كتبها الله لنا، فلن يمنعها أحد."

فجأة، انتبه إلى أن الجائزة عمرة واحدة فقط.

توقّف ذهنه عند هذا الحد:
هل يهديها لردينة؟
أم يحتفظ بها لنفسه، منتظرًا فرجًا آخر؟
وخطر بباله أن أبناءه قد يتدبرون الأمر…
و يهدون أمهم العمرة التي نقصت.
ابتسم ابتسامة خفيفة…
سرعان ما انطفأت.
تمتم في نفسه:

– وأولادي… بالكاد ينهضون بأعباء بيوتهم.

وصل إلى مقر الإذاعة. همّ بالدخول، لكن الحارس منعه.

شرح له السبب، فجاءه الرد كالصاعقة:
– هذه الإذاعة لا تنظم مثل هذه المسابقات… نحن لا نبث إلا القرآن الكريم.

اقترب أحد المسؤولين، فأجلسه برفق، وقدّم له ماءً، وتركه يستعيد أنفاسه وهو يردد:

لا حول ولا قوة إلا بالله...

ثم قال له بهدوء:

– يا حاج… هذه كذبة أفريل. مزحة سخيفة، كادت أن تؤذيك.

بهت وجه صبري. شحب، وارتجف صوته.
لم يفهم… كيف يمكن لصوتٍ واحد أن يفتح له أبواب السماء… ثم يغلقها في لحظة.

خرج من الإذاعة بخطوات متثاقلة.
وعلى الرصيف، أخرج هاتفه.
حدّق فيه طويلًا… طويلًا…
ثم أغلقه.
كأنه خاف…
أن يرنّ مرة أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

يا عزيزي كلنا لصوص * ([4]) بقلم علوي القاضي

([4]) * يا عزيزي كلنا لصوص * ([4]) ( أخلاقيات اللصوص )           بقلمي : د/علوي القاضي .. .★★. عُرف تاريخياً ما يُسمى بـ (أخلاقيات اللصوص)...