السبت، 18 أبريل 2026

لقاءٌ في إيطاليا لشاعرة سوزان اسماعيل قَراءَةٌتَحليليَّةٌ بقلم صاحِب ساجِت

#قَراءَةٌتَحليليَّةٌ لِقُصَّةٍ قَصيرَةٍ..
أَوهَــامُ الوَاقِـعِ
      بَينَ مَا هُو كائِنٍ وَ مَا نَتَخيَّلُهُ!
        " لقاءٌ في إيطاليا " مِثالًا

                 #تَوْطِئَــــةٌ...
(كانَ هَناكَ
أو هٰكَذا خُيِّلَ لَهَـا...) * النَّصُّ
       الهَذَيَـانُ يَـا سَــادَةُ، يُصيبُ مَــنْ وَهِنتْ قُواهُ، وَ بَــانَ شُؤمُ انتِظارَاتِـــهِ، يَعيشُ الوَهْـمَ وَ الهَـمَّ وَ يَجتَرُّ خَيباتِهِ! 
صُـورٌ سَريعةُ التَّطوُّرِ تُؤثرُ علـىٰ تفكيرِ الشَّخصِ وَ إدراكِــهِ وَ سلُوكـهِ، يَحدِثُ نَتيجَــةً لِأمــراضٍ أو ظُــروفٍ بيئيَّـــةٍ 
مُختلفَـةٍ تُؤثِّـرُ علـىٰ وَظـائفِ الدَّمَـاغِ، يَفقِدُ الشَّخصُ فيهَــا مَفهُــومَ الزَّمَـانِ 
وَ المَكانِ، وَ يُظْهِرُ سلُوكًـا لَفظيًّـا غيرَ مَنطقيٍّ أو غيرَ لائقٍ، مِمَّـــا يَنتجُ عنهُ 
الظَّنُّ الفاسِدُ وَ الخِداعُ الحِسِّيُّ وَ كُلُّ
 مَا هوَ غيرُ مُطابقٍ لِلوَاقِــعِ.. 
     وَ منْ أبرزِ وَ أهمِّ صُورِ الوَهْمِ هوَ
 'النّفسي' كإعتقَادٍ راسخٍ غيرِ واقعيٍّ يَتنَـافىٰ معَ الأدلَّةِ، وَ غالبًـا مَا يَرتبطُ باضطِرابَـاتٍ مِثلُ "الشِّيزُوفيرِنيا".

          #أَصْــلُ المَوضُــــوعِ
قُصَّةٌ قَصيرَةٌ بِعنوانِ(لقاءٌ في إيطاليا)
الكاتبَةُ د. سوزان اسماعيل/سوريا
القراءَةُ.. صاحِب ساجِت/العِرَاق
                 #النَّـــصُّ..
          "لقاءٌ في إيطاليا"
مرَّ عامانِ..
عامانِ فقطْ، لكنَ الزمنُ بينهما كان كفيلاً بأن يبدّل ملامح مدينةٍ كاملة، لا وجهينِ إلتقيَا ذاتَ مساءٍ.
وقفتْ " آلين " علىٰ الشاطِئ، حيثُ المراكبِ الشراعيةِ تنامُ علىٰ كتفِ البحرِ، وَالنَّوارسُ تعيدُ رسمَ السماءِ بأجنحتِهَا البيضاءِ.
حدّقَتْ طويلاً.. كأنَّها تنتظرُ أنْ يعترفَ المكانُ بشيءٍ أخفاهُ عنها.
"لَمْ أتغيرْ.." تَمتمتْ.. 
ثُمَّ ابتسمتْ بسخريةٍ خفيفةٍ.
"ولا أنتَ.. أليسَ كذلك يَا آدمُ؟"
كانَ هناك.
أو هكذا خُيّلَ لهَا.
اقتربتْ منهُ، أو منْ ظلِّهِ، وَجلستْ إلىٰ جانبهِ كَما كانتْ تفعلُ دائمًا، حينَ كانَ المعطفُ علىٰ كتفَيهَــــا، والبردُ ذريعةٌ 
لاقترابٍ لا يَحدثُ.
قالتْ، وَكأنَّها تعاتبُهُ بعدَ تأخيرٍ بسيطٍ:
ــ" مِضحكٌ.. هذا اللُّقاءُ الأخيرُ، يَتكررُ
 دائمًا في اللّحظةِ الأخيرةِ. 
نفسُ الشَّــاطِئ، نفسُ النَّوارسِ.. حَتَّـىٰ 
الرِّيحُ لمْ تتعلمْ أنْ تنسانَــا."
لمْ يجبْ.
تابعتْ، بصوتٍ أخفّ:
ــ"رَغِبتُ أنْ أراكَ مرَّةً أُخرىٰ، أنْ نَرقُصَ، 
كما لمْ نفعلْ. أنتَ لمْ تُغادرني أبدًا.. 
الحياةُ فقطْ هيَ مَنْ دفعتكَ بعيدًا"
ظَلَّ صامتًا.
لكنَّ الصَّمتُ كانَ مألوفًا، كعادتهِ.
أشعلتْ سيجارةً، وناولتْهُ واحدةً.. 
ثمَّ تراجعتْ يدُهَا في الهواءِ، كأنَّهَـــا تذكرتْ فُجأةً أنْ لا أحدَ هناكَ ليتلقّاهَا.
ابتسمتْ بِمرارةٍ:
ــ " حتَّىٰ الآنَ.. لا تقولُ شيئًا."
تنهّدَتْ، وأغمضتْ عَينَيهَا قليلاً، كأنَّها تستحضرُ تفاصيلَ ليلةٍ بعيدةٍ:
العشاءُ الأخيرُ.. الطاولةُ الصغيرةُ..
 باقةُ الزهورِ الَّتي ذبُلتْ قبلَ أنْ تعترفَ 
لهُ.. كَأسَا نَبيذٍ.. وحديثٌ لمْ يكتملْ..
ــ" لمْ تحبُّني كفايةً يا آدمُ..
أحببْتَ الفكرةَ، لا المرأةَ! 
أحببَتَ المستحيلَ.. وَأنَــا كنْتُ هُنــا، مُمكنةً، وَقريبةً!"
رفعتْ رأسَهَا نحو البحرِ، وقالتْ بهدوءٍ يُشبِهُ الإستسلامَ:
ــ"الحُبُّ الحقيقيُّ يأتي وَحدهُ، لا يحتاجُ إلىٰ مطاردةٍ، ولا إلىٰ وداعٍ طويلٍ."
سكتتْ لحظةً، ثُمَّ أردفتْ:
ــ" سأعودُ إلىٰ الفندقِ.. وأنتَ ستسافرُ 
إلىٰ باريسَ، كعادتكَ. رُبَّما تتصلُ بي يومًا، وتقولُ إنَّكَ عُدتَ."
نهضتْ ببطءٍ، وكأنَّهَا تنتظرُ أنْ يُمْسِكَ يدَهَا.
لكنْ يدُها بقيتْ وحيدةً.
—" تأخرَ الوقتُ.. أليسَ كذلك؟"
لا جوابَ.
خَطَتْ بِضعَ خطواتٍ، ثُمَّ توقفتْ، استدارتْ نحوهُ للمرَّةِ الأخيرةِ، وقالتْ بِصوتٍ بالكادِ يُسمعُ:
— "كنْتُ أودُّ أنْ أقولَ لكَ شيئًا.. 
أنَّني أحُبُّكَ. هُنا، علىٰ هذا الشاطِئ.. لكنْ يبدو أنَّ الوقتَ قدْ فاتَ!"
انتظرتْ.
لم يَتحركْ.
لم يَقتربْ.
لم يَعترضْ.
عِندها فقطْ.. ابتسمتْ تلكَ الابتسامةَ الَّتي تأتي متأخرةً دائمًا، وقالتْ لنفسِها:
— "نعمْ.. تأخَّرَ الوقتُ."
واختفىٰ " آدمُ " معَ انطفاءِ السيجارةِ بينَ أصابعِهَا.
في صباحِ اليومِ التَّالي، عَثرَ أحدُ حرّاسِ الشاطِئ علىٰ امرَأةٍ تجلسُ وحدَها قربَ الماءِ، تُحدِّقُ في الأفقِ بلا حِرَاكٍ.
إلىٰ جانبِها.. مَعطفٌ رجاليٌّ قديمٌ، ورزمةُ سجائرٍ لم تُفتحْ.
قالوا إنَّ حالتَها ليستْ خطرةً.. فقطْ بعضُ الإرهاقِ، وبعضُ الهذيانِ.
لكنَّهم لم يَعرفوا شيئًا واحدًا:
 أنَّ آدمَ..
لم يَعُدْ إلىٰ هذا الشاطِئ منذُ عامينِ،
منذُ الليلةِ الّتي غادرَ فيها.. إلىٰ الأبدِ!
     (د. سوزان اسماعيل/ سوريا)

    #مُؤشِّرَاتٌ فَنيَّةٌ عَضَّـدَتِ النَّصَّ، 
   وَ سَهَّلَتْ تَقييمَهُ في تَلَقِّي فِكْرَتِهِ!
            #أولًا.. ظَرَافَةُ الأسماءِ 
    * اسمُ "آلين"(Aline/Allyn) بَطلةُ القُصَّةِ، اسمُ عَلمٍ مؤنَّثٍ، أصولُهُ أجنبيةٌ (إيرلندية/إنجليزية)، يَحملُ مَعنىٰ " الفَتاةُ الجَميلةُ، الوَسيمَةُ، أو ذاتَ الوجهِ الحَسِن".
     * عُنوانُ القُصَّةِ القَصيرةِ:
        "لقاءٌ في إيطاليا".
     * سَفَرُ ( آدم ) بَطلُ القُصةِ إلـىٰ فَرنسا.
     * اسمُ الكاتبَةِ " سوزان اسماعيل"
     طبيبةُ أطفالٍ وَ كاتبةٌ منْ سوريا،
     اسمٌ عِبْريٌّ أو فارِسيٌّ، يَعني "الزِّنبقةُ 
     الجميلةُ، زهرةُ اللُّوتِس، أو الوَردةُ."
وَ رُبَّ سائلٍ يَسألُ: هلْ ورودُ هٰذهِ الأسماءِ لِغايةٍ مَا، أو مَحضِ صِدفةٍ؟

     #ثَانيًا.. المُونولُوج Monologue
     حَديثُ النَّفسِ أو النَّجوَىٰ يَقومُ بَينَ الشَّخصيَةِ وَ ذاتهَا أي ضَميرِهَــا.
فَالكاتبَةُ استعمَلتِ المُونولُوج لِلكشفِ عنْ خَبايَــا شَخصيَّـةِ القُصَّــةِ، وَ عـنْ دَوافعِهَـا، ثُمَّ بَيَّنتْ تَطورَهَا، وَ أضفَتْ طابعًا عاطفيًّا وَ فكريًّا.
وَ هُـو شَكلٌ منْ أشكَـالِ الفنُونِ الأدبيَّــةِ، ضِمنَ نطاقِ التَّأليفِ القُصَصي كَعُنصرٍ منِ العَناصرِ الفنيَّةِ للقُصَّةِ، يَعتمدُ علىٰ الجديّةِ وَ السخريَّةِ.
يُساعدُ في تَوضيحِ القَراراتِ الحاسمَةِ، وَ إظهارِ التَّطوُّرِ النَّفسي لِلشَّخصيَّةِ.. لِلمُتلقِّي.
(ــ مضحكٌ.. هذا اللقاءُ الأخيرُ يتكررُ دائمًا في اللَّحظةِ الأخيرةِ.......
لم يجبْ.
تابعتْ، بصوتٍ أخف:
ــ رغبتُ أن أراكَ مرةً أُخرىٰ.. أن نرقُصَ، كما لم نفعلْ......
ظَلَّ صامتًا.) * النَّصُّ
    فَيَبدُو الحِوارُ مَعَ حَاضرٍ في الذَّاكرةِ، 
غَائبٍ في الوَاقعِ!
 
             #ثَالثًا.. الاِغتِرَابُ
     وَ هـٰذا ما نَطلقُ عَليهِ فِقدانُ الهَويَّةِ 
وَ الٕانتماءٍ، أيّ:- خَلقُ عَلاقَةٍ مُتأزِّمَةٍ معَ الـذَّاتِ، وَ مَـعَ المُجتَمَــعِ، يَكــادُ يَكُـونُ 
شُعُورًا بالضَّيَــاعِ وَ الإسْتِـلابِ، بَلْ حَالةٌ "سَيكو-اجتماعيّة" تُسيطِرُ عَلـىٰ الفَردِ، فَتحوُّلُهُ إلـىٰ شَخصٍ غَريبٍ وَ بعيدٍ عنِ الواقعِ. يَعيشُ صِراعًا دائمًــا مَـعَ قُوىٰ 
وَ أفكارٍ " هُلاميَّةٍ" تَفتقِرُ إلـىٰ التَّماسُكِ 
وَ الوُضُوحِ، أوَ التَّحديدِ، تَشبَهُ الهُلامَ في طَراوتِهِ وَ قابليَّتِهِ لِلتَشكيلِ، فِكرَةٌ عائِمَةٌ 
أو ضَبابيَّةٌ، وَ غالبًا ما تكونُ غَيرَ واقعيَّةٍ. 
 بُغيةَ تَثبيتُ مَوقفٍ منْ كُلِّ ما يَحدثُ حَولَهُ، وَ سُرعانَ ما يَشعرُ بالاغْترابِ عندمَا لا يَتحققُ ذٰلكَ المَوقفُ، فَيتحوَّلُ إلـىٰ فردٍ مُسْتَهْلَكٍ، مَسلوبِ الذّاتِ وَ الاستقلاليَّةِ.. 
  في النَّصِّ يَفقِدُ مُحِبٌّ قِدرتَهُ علـىٰ اللّقاءِ بِمَنْ يُحِبُّ، وَ الحياةُ مَعهُ.. بِقرارٍ مُسَبَّقًا حَدَّدَ لهُ عَلاقاتِهِ وَ تَحركاتهِ، وَ الأنكىٰ مِنْ ذلكَ.. تُمْلِي عَليهِ سِلطةٌ مَا، نَوعَ نَشاطاتِهِ.
( ــ لمْ تحبني كفايةً يا آدمُ..
أحببْتَ الفكرةَ، لا المرأةَ. أحببْتَ المستحيلَ، وأنَا كنتُ هُنا، مُمكنةً، وَ قريبةً.) * النَّصُّ
     فَهو - أيّ: النَّصُّ- مُفْعَمٌ بِعواطفٍ أضنَاهَا مُفارقَةُ الأحبابِ، وَ البُعدُ عنِ الدّيارِ، نَفيًا أو تَشرّدًا، طَوعًا أو كُرهًا!
أَقْحَمَت فيهِ الكاتِبَةُ المُتَلقِّيَ في دَهاليزِ العَجَبِ، وَ لوَّنَتْ نصَّهَا بِالحنينِ إلـىٰ 'الحبيبِ ' بِلُغةٍ مُقنعةٍ في مجملِ بُنْيَةِ خطابهَِـا السَّردي..
وَ بأفقٍ جَماليٍّ وَ أسلوبٍ تَعبيريٍّ تَجلَّـىٰ في رَسمِ أحوالِ الذَّاتِ وَ مِحنَتِهَـا، كَنتاجٍ لِلألَمِ وَ الفراقِ.

              #رَابعًا.. الإنْتظارُ
     تَرقُّبٌ وَ أملٌ في حدُوثِ أمرٍ مُرْتَجَىٰ. وَ هو صِراعٌ معَ النَّفسِ وَ رَغباتِهَـا، عنْ طريقِ الصَّبرِ وَ الصَّلابةِ..
وَ رَفضُ واقعٍ مُزري، وَ ليسَ اسْتسلامٌ! 
وَ مَنبعُ الأملِ في المُستقبلِ، مِمّا يُسهِّلُ العَيشَ معَ الآخرينَ، وَ هو باعثٌ لِلأملِ في الحَياةِ.
لٰكنَّهُ لا يَخلُو منْ لَوعةٍ وَ ألمٍ إذا طالَ أمدُهُ، وَ حياةُ الانسانِ مُحدَّدةٌ بِمدَّةٍ، وَ حاجَةٍ، وَ هَدفٍ، وَ رسالةٍ، وَدافعٍ.. وَ نوعِ الانتظارِ!

              #خَامسًا.. الذَّاكرَةُ
      سَحَقَ الٕانتظارُ الذَّاكرَةَ، وَ تَرَاءَىٰ كأنَّهُ مَعركةٌ طاحنَةٌ وَقعَتْ أحداثُهَـا علىٰ ساحلٍ، بينَ بَحرٍ هائجٍ، وَ فصُولِ سنَواتِ العُمرِ، مُــرَّةً.. اِحترقَتْ!
هٰذهِ السَّنواتُ هي مَراكبُ نَجاةٍ، احْترقَتْ وَاحدةً تَلو الأُخرَىٰ، وَ صارَتْ ذِكرياتٍ لهَـا طَعمٌ نتذوَّقُهُ، سِجارةً تَحترِقُ بينَ الأصابعِ، نَراهَـا معَ الأمواجِ الآتيةِ منْ بَعيدٍ.. 
وَ تَتلاشَىٰ عندَ ساحلِ رَملِ الٕانتظارِ.. 
وَ لاتَ حينَ مَناصٍ! 

        #سَادسًا.. حِبْكةُ النَّصِّ
      الحِبكةُ نُقطَةُ الذَّروَةِ الَّتي تَتأزَّمُ فيهَـا الأحدَاثُ. فَكُلَّمَا تأزَّمَتْ، ازدادَتْ نِسبَةُ التَّشويقِ لَدَىٰ القارِئ!
تَقودُ نحو الحَلِّ، مرُورًا بالذَّروَةِ فَالنهايَةِ، 
وَ تَفكُّكِ العِقْـدَةِ..
ضُروريَةٌ لِلقُصةِ، وَ لا يُمكنُ أنْ يَكونَ سَردٌ قَصَصيٌّ دونَهَـا، لإنَّهَا تَضبطُ حَركةَ الشَّخصيَّاتِ وَ تَشِدُّ القارِئَ إلـىٰ النَّهايَةِ. 
في هٰذا النَّصِّ.. قامَتْ حِبكةٌ بَسيطةٌ علـىٰ حِكايةٍ وَاحدةٍ!
     امْرَأةٌ ــ قدْ تكونُ فتاةٌ ــ تَشعرُ بِالضياعِ بعدَ فقدِهَـا المَلاذَ الآمنَ، وَ تَحِنُّ إلـىٰ دِفْءِ مَنْ تُحِبُّ، وَ الشعُورُ بِقسوَةِ الجَّوِّ ذَريعَةٌ لِلتزلفِ منهُ..
(اقتربَتْ منهُ، أو منْ ظِلِّهِ، وَجلستٔ إلىٰ جانبهِ كما كانتْ تفعلُ دائمًا، حينَ كانَ المَعطفُ علىٰ كتفَيها، والبردُ ذريعةٌ لاقترابٍ لا يَحدثُ.) * النَّصُّ
وَ تَتَعَشَّمُ أنْ يَرْبِتَ عَليهَـا حينَ يُداهمُهَـا مَرضٌ أو تَعبٌ أو نُعاسٌ..
كأنَّهَـا لمْ تُغادِرْ عَهدَ طفُولةٍ، لمْ تَزلْ تَبحثُ عَمَّنْ يَغمرُها بِعطفٍ أو حَنانٍ، وَ لِطالَمَا تَصنَّعتْ مَواقفَ تَستَدرُّ بهَــا غَريزَةَ الآخرِ، لِتُشاركَه (نفسَ الشَّاطِئ، نفسَ النَّوارسِ.. لِتَراهُ مَرَّةً أُخرَىٰ.. تَرقصُ مَعهُ، فهوَ لمْ يُغادرْهَـا أبدًا.. الحياةُ فقطْ هي مَنْ دفعتْهُ بعيدًا.)* النَّصُّ بِتصرُّفٍ
كُلُّ ذٰلكَ.. حَشَّدَ في نَفسِ المُتلقِّي مَشاعِرَ جَيّاشَةً بِالعطفِ، لِينحازَ إنحيَازًا تامًّا معهَـا وَ هيَ تَتوسَّلُ بجَسدِ الوَهمِ، الَّذي أُلْقِيَ وَراءَ سَبعةِ أَبْحُرٍ!
    كُتِبَ هٰذا النَّصُّ بإسلوبٍ فَنيٍّ بَسيطٍ، و لُغةٍ سَلِسةٍ، تَمكَّنتِ القاصَّةُ مِنْ خِلالهَـا أن تُوصِلَ فِكرتَهَا بِسهُولةٍ، دونَ تَكلّفٍ أو تَعقيدٍ، شَدَّتِ القارِئ لِلمتابعَةِ، دُونَ إجبارِهِ عَلىٰ ذٰلكَ.
  
               #بِيئَـــةُ النَّصِّ
* الزَّمانُ:-
     يَمتدُّ طيلَةَ النَّهارِ، حينمَـا يَشتدُّ وَطيسُ الذّكرياتِ، إذْ تَهدأُ حَركةُ الخارجِ، وَ تَتملْمَلُ النَّفسُ، فَتدخلُ مباشَرَةً في سِياقِ الأحداثِ.. 
حينهَـا يَظهرُ إبداعُ النَّاصِّ في وَضعِ القارِئ بالزَّمنِ الَّذي تَخَيَّلهُ وَ هو قَريبٌ إلىٰ الواقعِ، عَنْ طريقِ الرّجُوعِ إلىٰ الوَراءِ وَ التَّداعي، فَيجعلُهُ يَعيشُ زمنًا ماضيًا، معَ إنَّ الحديثَ عنْ مجرياتِ قُصَّةٍ في الزَّمنِ الحاضِرِِ.

* المَكانُ:- 
     شاطِئُ بَحرٍ يَعِجُّ بِمراكبَ شراعيَّةٍ تنامُ علىٰ كَتفيهِ، وَ نَوارسٌ تَحُومُ في السَّماءِ، تَرسِمُ مَظلَّةً بَيضاءَ، تُظلِّلُ بَحبُوحَةَ انتظارٍ لِآخِرِ لقاءٍ!
 هٰذا المكانُ اِشترَكَ في الفِعلِ القَصَصي، 
وَ علىٰ وَجهِ الخُصوصِ.. التَّفاعلُ بينَ الشَّخصيَّةِ الرَّئِيسةِ وَ مَعالمِهِ، بِحيثُ صارَ مسرحًا طبيعيًّا يَطِلُّ عِبرَ زواياهُ المُتلقِّيُ.. بأَريحيَّةٍ!
     وَ الشاطِئُ هو الشَّاهدُ الوَحيدُ الَّذي يَرَىٰ المَرأةَ، وَ يَسمعُ حِوارًا عَقيمًا، بَينَهَـا 
وَ بينَ طَرفٍ لا وُجودَ لهُ.. 
ــ هي تَتكلمُ، وَ آخرُ صامِتٌ!
حِوارٌ يَفتقِرُ للواقعيَّةِ وَ المَنطقِ!
يَتركَّزُ علىٰ إيصالِ رَأيٍ خاصٍّ، دونَ الإهتمامِ بِسماعِ وُجهَةِ نَظرِ الآخرِ.
لا مَكانَ لِلعقلِ فيهِ، وَ لا لِلمنطِقِ!
بَلْ هوَ اتِّباعُ هَوَىٰ القَلبِ وَ الرَّغبةِ في الظَفَرِ بِالنتائجِ!

* لُغةُ النَّصِّ...
    إمتازَ النَّصُّ بِخاصيَّةِ المَونُولوج مَرًّةً.. 
وَ مَرَّةٌ أخرىٰ بالسَّردِ القَصَصي، بألفاظٍ سَهلةٍ واضحةٍ، بعيدةٍ عنِ المحسِّناتِ البديعيِّةِ وَ الزَّخرفَةِ اللَّفظيةِ، بِلُغةٍ عَربيَّةٍ فُصحَىٰ، بِحدودِ (٤٠٠) كَلمةٍ.
    حَكتْ القاصَّةُ مَوقفًا يَهدفُ إلـىٰ تَرسيخِ فكرةِ " الفـَقدِ وَ الإنتظارِ " بِإسلوبٍ غيرِ مباشرٍ لمْ يَحملْ بينَ طيَّاتهِ وَصيةً أو وَعظًا، إنَّمَا وَصلتْ فِكرتُهَـا لِلمتَلقِّي منْ خِلالِ تَتابعِ الأحداثِ وَ تَفاعلِهَـا، بِشكلٍ مُوجزٍ معَ تَفاصيلَ صَغيرةٍ، تَنتقِلُ منْ ضَميرِ المُتكلِّمِ إلىٰ المُخاطبِ، وَ يُحْبِكُهُمَـا الضَّميرُ الغائبُ، مِمَّـا مَكَّنَ القارئَ أنْ يَتخيَّلَ مجرياتِ القُصَّةِ وَ التَّفاعلِ مَـعهَـا.

  * النَّهايَةُ..
     غَالبًا مَا تكونُ نهايةُ القُصَّةِ القَصيرةِ مُفاجَأَةً، تَجذبُ القارئَ وَ تَجعلهُ أكثرَ حَماسًا وَ شَوقًا لِنهايةِ النَّصِّ، بَعدَ وُصُولِهَا ذروَةِ الأحداثِ، بِحيثُ تَتركُ لِلقارئِ حرِّيَّةَ ربطِهَـا علىٰ وفقِ مَـا تَوافَرَ لهُ منْ تَفسيرٍ 
أو تأويلٍ.
وَ بعدُ الأخذِ وَ الرّدِّ.. في حِوارٍ منْ طرفٍ واحدٍ، أضفَىٰ علىٰ الجَوِّ العامِّ لَمسةَ حُزنٍ 
لا تُقاوَمُ، لٰكنَّهَـا لَذيذَةٌ..
لَحظةُ هَذيانٍ أصابَ مَنْ وَهِنَتْ قُواهُ، وَ بَـانَ شُؤمُ انتِظاراتِهِ، يَعِيشُ الوَهمَ وَ الهَّمَ 
- في أَحسنِ حالاتِهِ- مُجْتَرًّا خَيباتِـهِ! 
لٰكِنْ جُملةُ النَّصِّ الأخيرةِ:
(أنَّ آدمَ..
لم يَعُدْ إلىٰ هٰذا الشاطِئ منذُ عامينِ،
.. وَ إلىٰ الأبدِ!) * النَّصُّ
 فَاجأتْنَـا بِتوقيتِهَـا، علىٰ الرَّغمِ إنَّهَـا لمْ تُقدِّمْ شيئًا جَديدًا في جَوٍّ مُعتمٍ، كئيبٍ، تُجَلِّيهِ آهاتٌ حَرَّىٰ.. إنَّمَا قَطَعَ الحِواراتِ المُبْتَسَرَةِ، وَ عَدم تكرارِهَـا.. وَ مَنَحَ نهايَةً مُفاجِئَةً لِمَنْ اِسْتمتَعَ بأحلامِ اليَقظةِ، تَعويضًا عَنِ الفُقدانِ!

                #أَخِيـــــــــــرًا...
         لا أَريدُ إضافةَ شَئٍ آخرَ ، بَيْدَ أَنِّي وَجدْتُ في هٰذهِ المُناسبَةِ مُسوِّغًا كَي أتركَ لِقلمِي الإسْتطرَادَ في الكِتابةِ، وَ بخاصَّةٍ بِدايةُ المَقالةِ، وَ تَفصيلهَـا لاحِقًـا! 
وَ لِأنِّي وَجدتُ تَقارُبًا كبيرًا بينَ أفعالِ الشّخصيَّةِ الرَّئِيسَةِ (المرأة ) وَ أفعالِ مَنْ هوَ مُنفصلٌ عنِ الواقعِ، حَيثُ يُعاني منْ أوهَامٍ، وَ اضطرابٍ في التَّفكيرِ وَ سُلوكٍ يُؤثِّرُ علىٰ عَلاقاتِهِ الإجتماعيَّةِ، وَ حَتمًا يَظهرُ جَلِيًّا لقارئِ نَصِّ القُصةِ القَصيرَةِ، مَوضوعَ المَقالةِ، وَ لِمَا ذَهبتُ إليهِ..
        بُوركتْ جُهُـودُ الكاتبَـةِ الٕاستـاذةُ الفاضلةُ (د. سوزان اسماعيل)، وَ عَسىٰ 
أنْ تُتْحِفَ السَّاحةَ الأدبيةَ بِمَا لَديهَـا مِنْ إبداعاتٍ أُخرَىٰ..
           مَعَ أطيبِ التَّحياتِ.
        (صاحِب ساجِت/العِرَاق)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حقيقة منها أوهام بقلم إسحاق قشاقش

(حقيقة منها أوهام) يا سادة ويا كرام السياسة بدها إلمام والقصة صارت معروفة والشغلة ما بحاجة لكلام بنت جبيل المألوفة وعديسة ومعها لخيام  والطي...