بقلم:ماهر اللطيف /تونس
اشتدّ به الألم. أحسّ بدوار. أمسك بطنه وهو يصيح. تعرّق جبينه وكامل جسده. رأى الناس تتمايل يمينًا ويسارًا، ثم تشوّهت الصورة تدريجيًا. أحسّ بالعطش والغثيان. أراد الصياح وطلب النجدة، لكن صوته خانه. التفت إلى زوجته الجالسة بجانبه على مسرح الزواج في قاعة الأفراح، فلم يستطع رؤيتها أو التأكد من وجودها أصلًا.
شيئًا فشيئًا، بدأ ينفصل عن العالم الخارجي. لم يعد ينصت إلى صوت الفرقة الموسيقية، ولا إلى الفنانة، ولا إلى زغاريد النساء وتصفيقهن ورقصهن. لم يعد يسمع سوى صوت داخلي واحد يقول له: "انتهى كل شيء."
سقط فجأة أمام الجميع، دون أن يشعر أحد بألمه. انقلب الفرح إلى مأتم. توقّف كل شيء. حلّ الصراخ محل الزغاريد، والنحيب مكان التصفيق، والبكاء بدل الابتسامة...
وقبل أن يصطدم رأسه بأرضية الركح، عاد ذهنه إلى ما قبل ساعة فقط…
كان في مقصورته الخاصة حين دخل عبد الكريم.
لم يكن يتوقعه.
قال عبد الكريم بهدوء:
– هنيئًا لك بزوجتك الجديدة.
رفع رأسه بغضب:
– ما الذي تفعله هنا؟ انتهت علاقتي بنرجس أختك منذ مدة.
قاطعه عبد الكريم:
– وعدتك أني سأقتصّ منك أيها الخائن. لن تهنأ بأخرى بعد أن غدرت بنرجس وأفسدت خطبتها من أكثر من رجل.
وأشار إلى الكأس:
– انتهى كل شيء.
صرخ:
– هل وضعت لي سمًّا؟
قهقه عبد الكريم، وهزّ رأسه بهدوء.
– ما الذي فعلته؟ لماذا؟
لكن عبد الكريم غادر مسرعًا دون أن يلتفت، حتى لا ينكشف أمره.
حاول دريد اللحاق به أو تنبيه من يعترض طريقه، لكن الناس كانوا منشغلين بالأكل والشرب والرقص والغناء والتصفيق والتعارف، خاصة بين الشباب والمراهقين…
لم تمضِ إلا دقائق حتى وصلت سيارة الإسعاف. دخل الطاقم القاعة بسرعة. قدّموا الإسعافات الأولية، ولحقت بهم عناصر الشرطة، يحاولون فهم ما حدث دون الوصول إلى أي حقيقة واضحة.
حُمل دريد على وجه السرعة إلى أقرب مصحة لمحاولة إنقاذ حياته. وبقيت الشرطة تواصل التحقيق لساعات طويلة مع الحاضرين.
وبعد أيام، استفاق دريد من غفوته. فرحت زوجته وكل أفراد العائلتين المتصاهرتين، وحمدوا الله على سلامته.
استعاد في ذهنه سيناريو ما حدث، متهِمًا عبد الكريم بمحاولة قتله قصاصًا لأخته.
في المقابل، واصلت الشرطة أبحاثها واستنطاقها لجميع الأطراف. وفي النهاية، خلصت إلى أن عبد الكريم هاجر منذ سنوات، ولم يكن موجودًا وقت الحادثة، وأن أخته نرجس توفيت منذ سنة إثر مرضها.
كما أقرّ الباحثون أن دريد توهّم عيش ذلك المشهد الذي نسجه في خياله وصدّقه، تحت تأثير الأقراص المهدئة التي تناولها تباعًا حتى أثّرت في دماغه وجسده. وقد أكّد الأطباء هذه الحقيقة.
لكن شيئًا آخر ظل حاضرًا…
تعلّقه بنرجس، وحبه الشديد لها، رغم ابتعاده عنها.
حتى ليلة زواجه… لم تغب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق