في صباح خجول يشبه البدايات
دخلت الجامعة وكأنني أدخل عالما لا أعرفه
كانت الوجوه كثيرة والضجيج يملأ المكان
والخطوات متسارعة كأن الجميع يعرف طريقه إلا أنا
وقفت لحظة أبحث عن شيء لا أعرفه
حتى رأيتك
كنت بين الحشود ولكنك لم تكوني مثلهم
كان فيك هدوء غريب يشبه طمأنينة لم أعرفها من قبل
نظرت إليك صدفة فالتقت عيوننا وكأن الزمن توقف للحظة
لم أفهم حينها لماذا شعرت أنني أعرفك منذ زمن بعيد
مررت بجانبك فارتبك قلبي كأنه يخوض أول معركة له
ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء دون أن أدرك كيف
في الأيام التالية بدأت أراك أكثر
في الممرات في القاعات في زوايا الجامعة التي لم أكن ألتفت لها من قبل
كنت أبحث عنك بعيني قبل أن أبحث عن مقعدي
وكنت أشعر أن يومي لا يكتمل إن لم أراك ولو للحظة
حتى جاء ذلك اليوم الذي جمعنا حديث بسيط
كان كلاما عاديا لكنه في داخلي كان بداية حكاية لا تنتهي
ضحكتك كانت كفيلة بأن تجعل كل شيء حولي يختفي
وصوتك كان هادئا لكنه يصل إلى قلبي دون استئذان
بدأنا نلتقي أكثر
نشارك المحاضرات والكتب والضحكات الصغيرة
كنا نجلس لساعات نتحدث عن أشياء بسيطة لكنها كانت تعني لنا كل شيء
كنت أكتشف فيك عالما كاملا وأشعر أنك تكتشفينني أيضا
كبرت المسافة بيني وبين العالم وصغرت المسافة بيني وبينك
أصبحت تفاصيل يومي تبدأ بك وتنتهي بك
حتى صرت أخاف أن يمر يوم دون أن أراك
مرت الأيام وتحولت الصدفة إلى عادة
وتحولت العادة إلى حاجة لا يمكن الاستغناء عنها
أحببتك دون أن أعلن ودون أن أستأذن
كان حبي لك يكبر بصمت لكنه كان يملأني بالكامل
كنا نمشي معا في طرق الجامعة وكأنها صنعت لنا وحدنا
نحلم معا بالمستقبل ونرسمه وكأننا سنبقى فيه إلى الأبد
كنا نؤمن أن ما بيننا أقوى من كل شيء
وأن الزمن لن يستطيع أن يفرقنا
مرت سنوات الجامعة ونحن معا
كبرنا سويا وتغيرنا سويا لكن حبنا ظل كما هو
كان في كل عام يكبر أكثر ويتجذر في أعماقنا
حتى أصبح جزءا منا لا يمكن فصله
كنا نضحك كثيرا ونحزن أحيانا لكننا كنا دائما نعود لبعضنا
كنت أشعر أنني وجدت نفسي فيك
وأنك الوطن الذي لم أبحث عنه لأنه كان أمامي طوال الوقت
ثم جاء ذلك اليوم الذي لم نكن نريد أن يأتي
يوم التخرج الذي كان يفترض أن يكون بداية
لكنه كان بالنسبة لنا نهاية خفية
وقفت بجانبك ونحن نحمل شهاداتنا
لكن قلوبنا كانت مثقلة بشيء لا يقال
كانت العيون تبتسم لكن الدموع كانت تختبئ خلفها
كنا نعرف أن الطرق بعد هذا اليوم لن تكون واحدة
جلسنا في آخر لقاء لنا في نفس المكان الذي بدأنا فيه
صمت طويل يقطعنا وكلمات كثيرة لا تجد طريقها للخروج
نظرت إليك وكأنني أراك لأول مرة وآخر مرة في آن واحد
كنت أريد أن أقول لك كل شيء لكن الكلمات خانتني
واكتفيت بالنظر إليك وكأنني أحفظ ملامحك في قلبي للأبد
حين حانت لحظة الوداع شعرت أن شيئا في داخلي ينكسر
لم يكن وداعا عاديا بل كان اقتلاعا لجزء مني
ابتعدت خطوات قليلة لكني شعرت أن المسافة أصبحت بلا نهاية
التفت مرة أخيرة فرأيتك واقفة تنظرين إلي بنفس الألم
وكأننا نحاول أن نتمسك بما تبقى منا
افترقنا دون أن نعد بشيء
ودون أن نعرف إن كنا سنلتقي مرة أخرى
لكن ما أعرفه أنني تركت جزءا من قلبي معك
وأخذت معك كل تلك السنوات التي كانت أجمل ما عشت
ومنذ ذلك اليوم وأنا أعيش على ذكرياتنا
كأنها وطن أعود إليه كلما اشتقت إليك
بقلم جمال الشلالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق