لم أترك خلفي سوى كرسيي الخشبي، وذاكرةٍ تعبت من ملامح الوجوه المألوفة. وحين انحنى المدى ليهمس في أذني بوعود الضياع الجميل، لم أحمل في جرابي خبزاً ولا ماءً؛ كان يكفيني ذاك الحنين الذي ينمو في صدري كأنه بوصلة، ليحزم خيالي وأغادر، تاركاً خلفي واقعاً لا يتسع لخطواتي، وأغنيةَ مسافرٍ زادُه الخيال.
في تفتّح الربيع ما يوقظ الحواس، بينما يحمل الصيف أحياناً شيئاً من الرتابة في سمائه الممتدة. في مثل هذه البيئة، حيث تتجاور قسوة الأرض مع خشونة اللحاء، تتشكل نظرةٌ مختلفة إلى العالم، أكثر عمقاً وتأمّلاً. ومن هذا الإحساس الأولي تنبثق رغبة الرحيل؛ لا كفعلٍ عابر، بل كتجاوبٍ صادق مع نداء الطبيعة.
على الطريق، لا شيء يبدو عادياً: ظلٌّ عابر، خيط ضوء يتسلل بين الأغصان، ونسيم خفيف يلامس الوجه. هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة، يستعيد الإنسان قدرته على الإحساس. فالسفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل فسحةٌ يتحرر فيها المرء من ثقل الإيقاع اليومي، ويستعيد فيها انتباهه لما كان يتوارى خلف متطلبات السرعة والإنتاج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق