مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 5 أبريل 2026

محضر جلسة ق.ق بقلم طارق الحلوانى

محضر جلسة ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
في مساء ليلة شتوية غاب فيها القمر، عاد إلى البيت أبكر من المعتاد.
خلع معطفه، علّقه في مكانه، ولم يجدها.
لم يسأل.
غيّر ملابسه ببطء، كأن الوقت فائض عن الحاجة، ثم اتصل.
قالت إنها عند والدتها.
قالت: عشر دقائق وأكون عندك.
جاءت بعد عشر دقائق فعلًا.
لم يلتفت.
دخلت المطبخ.
أشعلت النار.
قطّعت الخبز بعناية زائدة.
وضعت الملح أقل مما اعتادت، ثم ترددت، وألقت رشة إضافية، كأنها توقّع على بند لم يُتفق عليه.
دقّت ساعة الحائط.
لم تكن دقيقة، لكنها كانت ثابتة.
جلس إلى السفرة.
بدأ الأكل دون أن ينظر.
توقف عند أول لقمة.
قال:
الملح زايد. قلت لك ميت مرة.
رفعت رأسها. لم تجادله.
قالت فقط: حاضر.
ترك الطبق.
قامت، أعدّت الشاي، وقدّمته.
أخذ رشفة واحدة، ثم وضع الكوب.
قال: الشاي خفيف. وإنتِ عارفة إني بشربه تقيل.
سكتت لحظة.
قالت: مالك مش طايق نفسك؟ أنا بحاول أرضيك.
نظر إليها هذه المرة.
قال:
إنتِ مش عارفة يعني إيه بيت ومسؤولية.
فاكرة نفسك لسه في بيت أبوكي.
المفروض أرجع ألاقيك مستنياني.
دقّت الساعة.
قالت، وهي تقف في منتصف المطبخ:
وأنا؟
أنا كل يوم مستنياك، وإنت جاي تعبان، ساكت.
لا كلمة، لا سؤال.
برنامج محفوظ.
التجاهل قتل حاجات كتير.
قال:
ما تقارنيش.
زمايلي بيحكوا عن حاجات عمري ما شفتها منك.
ارتفع الصوت.
لم يرتفع فجأة، بل صعد درجة درجة، كالسلم.
قال:
إنتِ بتتكلمي كده إزاي؟
قالت:
وأنت شايف نفسك مش غلطان؟
في تلك اللحظة، خرجت الطفلة من غرفتها.
وقفت بينهما.
حافية القدمين.
شعرها منكوش من النوم.
تنظر إليهما، ولا تفهم لماذا صارا فجأة غريبين.
قال، دون أن ينظر إليها:
لو أنا مش عاجبك، اتفضلي ارجعي بيت أبوكي.
قالت، وهي تلتقط حقيبتها بعينين جافتين:
أنا راجعة فعلًا.
إنت لا تُطاق.
سقط كوب الشاي على الأرض.
تناثر الزجاج.
لم ينكسر الصوت، بل المكان.
غادرت.
بقي وحده.
جلس حيث كان.
نظر إلى الكوب المكسور.
لم يتحرك.
فكّر:
هل كان الملح زايد فعلًا؟
هل الشاي كان خفيفًا؟
أم أن شيئًا آخر كان ناقصًا منذ زمن؟
دقّت الساعة.
في بيت أبيها، دخلت الغرفة وأغلقت الباب.
جلست على السرير.
لم تخلع معطفها.
فكّرت:
هو راجع تعبان..
وأنا؟
ألم أكن كذلك؟
مرّ أسبوع.
تدخل الأهل.
تحدّد يوم:
إما صلح،وإما انفصال.
جاء هو ومعه من يفاوض عنه.
وجلست هي ومعها من يتحدث باسمها.
كان المكان بيت أبيها.
سفرة كبيرة، بلا طعام.
جلسوا كأنهم سياسيون.
كل طرف يختار كلماته، ويُخفي خسائره،ولا يريد أن يخرج مهزومًا.
تحدثوا عن الحقوق.
عن التضحيات.
عن من تحمّل أكثر.
كل واحد يقرأ من ذاكرته محضرًا غير مكتوب لفضله المؤجل.
الطفلة جلست في الركن.
تلعب بخيط في السجادة.
لم تكن ضمن بنود الجلسة.
دقّت ساعة الحائط في الصالة.
رفعت رأسها فجأة.
نظرت إلى الوجوه.
ثم قالت بصوت منخفض، واضح، خالٍ من أي تفاوض:
هو أنا هروح مع مين؟
سكت الجميع.
لم يُرفع قلم.
لم يُوقَّع شيء.
وتوقفت الساعة..
أو هكذا بدا لهم.

طارق الحلوانى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق