بين أحضان الطبيعة، حيث تعزف الرياح ألحانها على أوتار أغصان الزيتون، وحيث تداعب خيوط الشمس الذهبية أديم الأرض كل صباح، كانت تبدأ حياتي. لقد اخترتُ العيش بعيداً عن صخب المدينة، في كوخٍ خشبيٍ بسيطٍ يطلّ على مروجٍ تمتدّ إلى ما لا نهاية، مكسوةٍ بسجادٍ أخضر يزدان بزهور الأقحوان وشقائق النعمان.
هنا، الصمت ليس فراغاً، بل هو لغة الطبيعة الرفيعة. أستيقظ على زقزقة العصافير التي تبني أعشاشها في أركان شرفتي، وأبدأ يومي بجرعة من هواء نقيّ يملأ الرئتين حياة. حقولي ليست مجرد أرض أزرعها، بل هي رفيقة دربي؛ أراقب نمو السنابل، وأحسّ بدفء التربة تحت قدمي حين أمشي حافياً، أستنشق رائحة الأرض المبللة بعد المطر، تلك الرائحة التي تشبه في نقائها وعوداً صادقاً.
كانت أيامي تمرّ ببطءٍ محبب، تتخللها أصوات نبع الماء القريب وخرير الجداول الصغيرة. ولكن، رغم هذا الجمال الأخّاذ والسكينة التي تغمر روحي، كان هناك دائماً مكانٌ شاغر في زوايا المكان، غصةٌ خفية في قلب هذا النعيم، إلى أن أقبلت "هي".
لقاء الحبيبة في هذه الحقول لم يكن لقاءً عادياً؛ لقد كان بمثابة اكتمال المشهد. حين أراها تطلّ من بعيد، بابتسامةٍ تشرق معها شمسٌ ثانية، أشعر أن الطبيعة من حولي تتهيأ لاستقبالها. تمشي في حقول القمح، فيتمايل السنابل خجلاً من رقة خطواتها، وتتسابق الزهور لتلامس أطراف ثوبها.
معها، لم تعد الطبيعة مجرد منظرٍ أراه، بل أصبحت تجربةً نتقاسمها. جلساتنا على صخرةٍ تطل على الوادي، حين يغلف الشفقُ المكان بألوانه الأرجوانية، تصبح أثمن من كنوز الدنيا. في تلك اللحظات، يختفي العالم بأسره، ولا يبقى سوى نبض قلبينا الذي ينسجم مع إيقاع الكون. ضحكاتها التي تختلط بصوت الطبيعة تجعل من العصافير تصمت لتسمع، ومن نسيم المساء أن يحمل عطرها إلى كل زاوية في كوخي الصغير.
لقد علمتني أن السعادة ليست في المكان وحده، بل في الروح التي نشاركها المكان. بوجودها، تحولت حقولي من مجرد مساحة خضراء إلى جنةٍ عامرةٍ بالدفء، وأصبح كل شجر وكل زهرة شاهداً على قصة حبٍّ ولدت من رحم الطبيعة، لتزهر في قلبينا كأجمل ربيعٍ لم يعرف له الزمان مثيلاً.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق