مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الاثنين، 4 مايو 2026

حصل ذات مرة في قاعة السينما بقلم اسعد الدلفي

قصة قصيرة : حصل ذات مرة في قاعة السينما

كانت فكرة "جلال أبو الجبس" الذي نال لقبه من شغفه الأسطوري بالرقائق المقرمشة, والفكرة أن نختم يومنا الوظيفي الرتيب بجرعة من الأدرينالين في سينما زيونة. حيث يقال: إن الروتين هو الصدأ الذي يآكل أرواح الموظفين، ولعل جلال أراد تلميع أرواحنا بصيحات الرعب... اخترنا فيلم "الأسلحة"، وقيل إنه عمل يغوص في دهاليز الخوف. جلسنا نحن الثلاثة في الصف قبل الأخير: مجيد الزورائي بهدوئه المعهود، وأبو الجبس الذي لم يتوقف عن التحسر وهو يفتح كيسه المفضل، وأنا الملقب بـ "أبو الكتب"؛ لأنني أرى العالم دائمًا من خلال عدسة الروايات.

كان المشهد حولنا لوحة اجتماعية عراقية بامتياز. رجل خلفنا يشتبك في معركة باردة مع زوجته، وطفلهما يلحن بكاءً مرًّا. كانت تطالبه بجهاز تكييف يقيها حرّ بغداد، وهو يتحصن بقلعة الراتب المحدود. "الفقر يا أصدقائي ليس عيبًا، ولكنه ثقب أسود يبتلع كل رغبات الرفاهية... وفي طرف صفنا، شاب بقميص برشلونة يرسم في دفتره بتركيز لا يليق بمكان مخصص للرعب، وبجانبه عجوز "ينقر" الفشار بهدوء سلحفاة هرمة... وكانت فتاة تجلس خلفنا تتكلم بحسرة وهي تتصل وتعاتب شخص ما لم يكن وفيا بوعده بالحضور.

همس جلال لنا وهو يهز رأسه أسفًا: "يا جماعة، لو أكلنا بثمن التذاكر كباباً أو دجاجاً مشوياً من أسواق الشورجة، لكان أجدى لأنفسنا من هذا الهلع المعلب! لكن فجأة، حل الصمت المطبق.. فقد بدأ الفيلم.

كان الفيلم مرعبًا بحق؛ دماء، غموض، وقتل بدم بارد. كانت الأجواء مهيأة لشهقة جماعية، لكن ما حدث كان "زلزالاً" من نوع آخر. قبالتنا ثلاث فتيات، وفي ذروة مشهد يقطر دماً، انطلقت منهن ضحكة جماعية مدوية! التفتّ مجيد: "هل أخطأنا القاعة؟ هل نحن في مسرحية هزلية؟.. لكن العدوى كانت أسرع من المنطق. الضحك كالعطاس، لا يحتاج لترخيص كي ينتقل من حنجرة إلى أخرى, انتقلت الضحكة لصف آخر، ثم انفجرت في الصفوف الأمامية. انتابتني أنا ومجيد وحتى "أبو الجبس" الذي كاد يغص بجبسه نوبة ضحك هيستيرية مع كل موجة ذعر تظهر على الشاشة. 

ضجت القاعة بالضحك والدموع، وتحول فيلم "الأسلحة" إلى "مسخرة" جماعية. حتى مسؤولو السينما الذين دخلوا بوجوه واجمة لضبط النظام، ما إن رأوا وجوهنا المحتقنة بالضحك حتى انفجروا بالضحك هم أيضا .  

خرجنا من القاعة والضحكات ما زالت تتردد في الممرات. اقتربت من إحدى الفتيات اللواتي أشعلن الفتيل، سألتها بفضول "أبو الكتب": "ما الذي كان مضحكاً في ذبح البطل؟". قالت وهي تمسح دموع الضحك: "الحقيقة، أرسلت لي أختي نكتة على الواتساب في تلك اللحظة، كانت مضحكة جداً فلم نتمالك أنفسنا.. ويبدو أنكم كنتم تنتظرون أي عذر لتضحكوا.

خرجنا لليل بغداد الساهر، وأدركت حينها أننا لم نضحك على النكتة، بل ضحكنا لأننا كنا بحاجة لتفريغ تعب الدوام وقهر الراتب وضغط الحياة , أحياناً، نضحك في وجه الرعب، لا لأننا شجعان، بل لأن الضحك هو السلاح الوحيد الذي لا يستطيع "الخوف" مصادرته منا".
 وحينها فقط، كفّ جلال عن الندم على سعر التذكرة، لأن "قهقهة" واحدة صادقة، كانت أغلى من ألف سيخ كباب.

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الاحد 3-5-2026
العراق- بغداد
ايميل / assadaldlfy@gmail.com
موبايل// 07702767005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق