مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 2 مايو 2026

رحلة قلب لا ينضب بقلم جمال الشلالدة

رحلة قلب لا ينضب
منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الطفل عينيه على هذا العالم يكون هناك قلب آخر قد بدأ رحلة لا تنتهي من العطاء
أب يقف على عتبة الحياة ممسكا بيد صغيرة لا تعرف بعد كيف تمشي لكنه يعرف جيدا كم طريقا سيسلك من أجلها
يحمل صغيره بين ذراعيه كأنه يحمل الدنيا كلها ويعد نفسه في صمت أن يكون له السند حين تتعب الطرق
يسهر حين ينام الجميع ويراقب أنفاسه كأنها كنز يخشى عليه من نسمة عابرة
يخفي خوفه خلف ابتسامة مطمئنة ويواجه قلقه بصبر طويل لا يراه أحد
يكبر الطفل ويكبر معه حمل الأب لكنه لا يشتكي
يعمل بصمت ويعود متعبا ليجد في ضحكة ابنه راحة تذيب تعبه
يقتطع من راحته ساعات ويمنحها لدفاتر المدرسة وحقائبها
يقف أمام أبواب المدارس كأنها بوابات حلم يريده أن يكتمل
يرى في كل نجاح صغير خطوة نحو مستقبل أكبر فيزداد إصراره
حين تتثاقل المصاريف لا تتثاقل خطواته
يمضي إلى عمله بقلب ممتلئ بالرجاء أن يفي بكل ما يحتاجه أبناؤه
يؤجل رغباته ويؤجل أحلامه ويضعها في آخر الصفوف
يشتري لهم ما يحتاجون ويكتفي هو بما تبقى من الوقت والقوة
تجده في الليالي الطويلة يحسب ويخطط ويعيد الحساب فقط ليطمئن أنهم لن ينقصهم شيء
تمر السنوات وتكبر الأحلام وتكبر معها المسؤوليات
يصبح التعليم أكثر كلفة وأكثر تعقيدا لكنه لا يتراجع
يقف إلى جانب ابنه في اختياراته ويرشده دون أن يقيد جناحيه
يشجعه حين يتعثر ويعيد إليه ثقته حين يضعف
يرى في كل امتحان معركة يخوضها بقلبه قبل أن يخوضها ابنه بعقله
وعندما تأتي أيام الجامعة يقف الأب على مفترق تعب جديد
تزداد الأعباء لكنه يبتسم كأنها بشارة لا عبء
يودعه كل صباح بنظرة تحمل ألف دعاء
ويستقبله كل مساء بسؤال واحد هل أنت بخير
يحمل عنه القلق ويخفي عنه الخوف ويترك له فقط مساحة ليحلم
يتحول الأب إلى ظل يحمي دون أن يظهر
يتراجع خطوة ليتقدم ابنه خطوات
يتعب ليصنع له طريقا أقل وعورة
يصبر على قسوة الأيام حتى لا تصل قسوتها إلى قلب ابنه
ويزرع فيه قوة لا تأتي من الكلمات بل من القدوة
ثم تأتي لحظة يكتمل فيها الشاب ويبدأ التفكير في حياة جديدة
يقف الأب مرة أخرى في بداية طريق آخر
يرتب ويجتهد ويبحث ليهيئ له بيتا يليق بأحلامه
يتحمل فوق طاقته لكنه لا يظهر سوى الفرح
يرى في زواج ابنه امتدادا لرحلته لا نهايتها
وفي ليلة الفرح يقف بعينين تلمعان بما يشبه الحكاية كلها
يرى طفله الذي حمله يوما يصبح رجلا يحمل مسؤولياته
يشعر أن كل تعب مضى كان يستحق هذه اللحظة
يمد يده ليبارك وكأنها يد تمنح العمر كله في دعاء واحد
ثم تأتي ضحكات الأحفاد فتعود الحياة تدور من جديد
يحملهم كما حمل آباءهم ويبتسم لنفس البراءة التي لم تتغير
يرى فيهم صورة الأيام الأولى فيمتلئ قلبه بحنين عذب
يجلس بينهم كأنه شجرة وارفة يستظلون بها دون أن يشعروا بثقل جذورها
يحكي لهم قصصا ويمنحهم حبا خالصا لا ينتظر مقابلا
يبقى الأب في كل هذه الرحلة واقفا كجبل لا يتزعزع
يعطي دون حساب ويصبر دون ضجيج
يحمل على كتفيه سنوات من التعب لكنها تبدو خفيفة حين يراهم بخير
يخفي آلامه خلف ابتسامة ويخفي ضعفه خلف قوة صامتة
يمضي في عطائه كأنه نهر لا يعرف التوقف
وفي كل لحظة من هذه الرحلة يكون قلبه ممتلئا بهم
يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم دون أن يثقل عليهم بشيء
يرى في نجاحهم حياته وفي سعادتهم راحته
ويظل واقفا على باب أحلامهم حارسا لا يطلب سوى أن تستمر ابتسامتهم

بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق