منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الطفل عينيه على هذا العالم يكون هناك قلب آخر قد بدأ رحلة لا تنتهي من العطاء
أب يقف على عتبة الحياة ممسكا بيد صغيرة لا تعرف بعد كيف تمشي لكنه يعرف جيدا كم طريقا سيسلك من أجلها
يحمل صغيره بين ذراعيه كأنه يحمل الدنيا كلها ويعد نفسه في صمت أن يكون له السند حين تتعب الطرق
يسهر حين ينام الجميع ويراقب أنفاسه كأنها كنز يخشى عليه من نسمة عابرة
يخفي خوفه خلف ابتسامة مطمئنة ويواجه قلقه بصبر طويل لا يراه أحد
يكبر الطفل ويكبر معه حمل الأب لكنه لا يشتكي
يعمل بصمت ويعود متعبا ليجد في ضحكة ابنه راحة تذيب تعبه
يقتطع من راحته ساعات ويمنحها لدفاتر المدرسة وحقائبها
يقف أمام أبواب المدارس كأنها بوابات حلم يريده أن يكتمل
يرى في كل نجاح صغير خطوة نحو مستقبل أكبر فيزداد إصراره
حين تتثاقل المصاريف لا تتثاقل خطواته
يمضي إلى عمله بقلب ممتلئ بالرجاء أن يفي بكل ما يحتاجه أبناؤه
يؤجل رغباته ويؤجل أحلامه ويضعها في آخر الصفوف
يشتري لهم ما يحتاجون ويكتفي هو بما تبقى من الوقت والقوة
تجده في الليالي الطويلة يحسب ويخطط ويعيد الحساب فقط ليطمئن أنهم لن ينقصهم شيء
تمر السنوات وتكبر الأحلام وتكبر معها المسؤوليات
يصبح التعليم أكثر كلفة وأكثر تعقيدا لكنه لا يتراجع
يقف إلى جانب ابنه في اختياراته ويرشده دون أن يقيد جناحيه
يشجعه حين يتعثر ويعيد إليه ثقته حين يضعف
يرى في كل امتحان معركة يخوضها بقلبه قبل أن يخوضها ابنه بعقله
وعندما تأتي أيام الجامعة يقف الأب على مفترق تعب جديد
تزداد الأعباء لكنه يبتسم كأنها بشارة لا عبء
يودعه كل صباح بنظرة تحمل ألف دعاء
ويستقبله كل مساء بسؤال واحد هل أنت بخير
يحمل عنه القلق ويخفي عنه الخوف ويترك له فقط مساحة ليحلم
يتحول الأب إلى ظل يحمي دون أن يظهر
يتراجع خطوة ليتقدم ابنه خطوات
يتعب ليصنع له طريقا أقل وعورة
يصبر على قسوة الأيام حتى لا تصل قسوتها إلى قلب ابنه
ويزرع فيه قوة لا تأتي من الكلمات بل من القدوة
ثم تأتي لحظة يكتمل فيها الشاب ويبدأ التفكير في حياة جديدة
يقف الأب مرة أخرى في بداية طريق آخر
يرتب ويجتهد ويبحث ليهيئ له بيتا يليق بأحلامه
يتحمل فوق طاقته لكنه لا يظهر سوى الفرح
يرى في زواج ابنه امتدادا لرحلته لا نهايتها
وفي ليلة الفرح يقف بعينين تلمعان بما يشبه الحكاية كلها
يرى طفله الذي حمله يوما يصبح رجلا يحمل مسؤولياته
يشعر أن كل تعب مضى كان يستحق هذه اللحظة
يمد يده ليبارك وكأنها يد تمنح العمر كله في دعاء واحد
ثم تأتي ضحكات الأحفاد فتعود الحياة تدور من جديد
يحملهم كما حمل آباءهم ويبتسم لنفس البراءة التي لم تتغير
يرى فيهم صورة الأيام الأولى فيمتلئ قلبه بحنين عذب
يجلس بينهم كأنه شجرة وارفة يستظلون بها دون أن يشعروا بثقل جذورها
يحكي لهم قصصا ويمنحهم حبا خالصا لا ينتظر مقابلا
يبقى الأب في كل هذه الرحلة واقفا كجبل لا يتزعزع
يعطي دون حساب ويصبر دون ضجيج
يحمل على كتفيه سنوات من التعب لكنها تبدو خفيفة حين يراهم بخير
يخفي آلامه خلف ابتسامة ويخفي ضعفه خلف قوة صامتة
يمضي في عطائه كأنه نهر لا يعرف التوقف
وفي كل لحظة من هذه الرحلة يكون قلبه ممتلئا بهم
يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم دون أن يثقل عليهم بشيء
يرى في نجاحهم حياته وفي سعادتهم راحته
ويظل واقفا على باب أحلامهم حارسا لا يطلب سوى أن تستمر ابتسامتهم
بقلم : جمال الشلالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق