الجمعة، 8 مايو 2026

بقايا صور بقلم مصطفى محمد كبار

بقايا صور

فإن ضاقت كفرت و أجهدت حتى
اللعنة
لا شيء يعلو فوق صوت الليل الثقيل 
بصورة الزلزال
قبل الموت خمسُ دقائق فقط يكفي 
لكي ألعن كل الزمان و كل
المكان .......

لاشيء الآن يستحق منا أن نضحي من أجله
سوى بكائنا المُلح على 
النسيان

قمرٌ حجري لا يمكن أن تشعر
و لا أن تبكي 

على حجرٍ بعيدٍ بعيد وقفت لأراقب غروب 
الشمس 
و أفسر لكل الآلهة عن دوران الأرض حول ذبابةٍ 
تحصد كل الفرح من موتنا
 الشريد ........

فلم أعد أحتاج للقصيدة و مجاراتها بكل المفردات 
لكي أرتاح 
بقدر ما أحتاج للكتابة للبوح عن حجيمٍ 
يثور بداخلي 
و مقبرة بقيت تستنجد بجسد الأموات 
القدامى .......

كتبت عباراتٍ محطمة على وجه المرايا غطها
الغبار بمر السنين 
الطويلة ........ 

تلك كانت فكرة الشيطان و فكرتها هي و لغز البلية
في الإنتحار 
الذي لا يدرك فينا ما لنا من الحنين بطول
السنين 
ذهبوا الذين تحبهم قد ذهبوا و ركبوا صاعقة برقٍ 
في الروح 
و أردموا القتيل المسكين بالسراب و بالسخافات 
حينما ذهبوا ......... 

كان الزمان حينها أقل وجعاً 
من الآن ....

فلي مرآةٌ قديمةٌ في البيت تكذب علي دائماً 
و لا تنطق بصدق 
الكلام 
لي غيبوبة الشلل الدماغي بالتذكر على كل
الأشياء القديمة 
مرآتي غبية عصية مستحيلة عندما تنفض بالشجن
و بالحنين 
فهي كانت تشهد على كل التفاصيل التي 
مرت مع العمر 
المشتت
مرآتي تنبح ككلبة عنيدةٌ في الصباح في وجهي 
و تسرقني من الوجود 
مرآتي ترنو في المساء كعاهرة شقية في 
منامي البعيد 
مرآتي عدوتي الأخيرة فهي تكذبُ بكل الصور 
و تحتكر 
لنفسها بكل الذكريات و صور العابرين و لا تعتذر 
عن الزمن المر .......

قد كنت سأعود حياً من نافذةٍ تطل على 
الجسد
لولا شهادة المقتول بموكب الوداع و إنحساره 
داخل تابوتٍ مهجور 
فمن مات بعدي من الطوفان و من لم يمت معي
سألت طفلاً صغيراً ماهي المعجزة 
الآن .......

قال هما روحان يحلقان نحو السماء و الأرض تلعن
كل الأغنيات 

قد كان صيفاً 
كان خريفاً 
كان ربيعاً أزرق
لا بل كان شتائاً طويل يشتم الغد و يضمغ
ظلي الشاحط ......

كانت هي أمنيةٌ واحدة أن نموت بينهم مثل 
العصافير بهدوء بعيداً عن
الضجيج .......

كانت مغسولةً بالحرام و مذنبة حتى بكل
الآلهة و الأديان 
كانت صلوات مقتولٍ في الوحل 
مع الحجر .....

فهاتي جسدكِ يا سيدتي لأرتب بها كل سنواتي 
و عشرتي
فلا تسرقي من العمر كل السعادة و أيامي و الفرح 
الحزين 
فهاتي كل صوري من عمركِ الطويل و ذاكرتي 
الضرورية 
لأكمل بها رحلتي مع 
العذاب 
و كل حياتي المقتولة بين تفاصيلك المشبعة بالغموض
التي 
كسرتها بجحيمك و هروبكِ
الكافر ......... 

حفلة راقصة يضج بالساهرين خمورٌ و كحول
و عناقٌ بين الاجساد الغريبة بدفئ
اللقاء 
و شهوات تدق طبول المعصية و أثرها 
من كان هناك 
دوني .......

لقد ذهبت كل الخطوات لأمسها المكسور 
مع الريح 
و تلاشى كل مواسم المطر من أرضٍ جفت فيها 
كل الأحلام و ماتت القلوب 
دانية ....... 

من منا لم يبكي في هذا الصباح 
من ... ؟ 
من منا لم يترك فراش نومه الحجري بين الكوابيس 
الصديقة ليخبر النمل المسافر عن
الرحيل من ...؟

و من منا لم يكتب عبارتهُ المقسومةِ بالألم 
لغدهِ المكسور بلعنة
القصيدة ........ 

فماذا كانت و كانت و كانت يا
تُرى .... ؟
أحاول أن أجدَ سبباً لكل الأسئلة في حيرتي لكني
مازلت أشرد في الهلاك .........

هل كانت تسمى بالحياة 
أم كانت في ذاك الزمن التعيس كانت تسمى 
الطريق إلى وجعٍ 
آخر ........

ربما هي كانت بعض اللحظات من برائتنا الأولى 
التي 
كنا فيها أحياء و معافين من 
الخيبة 
كانت أياماً من ولادة الطفولة المبكرة بموسم 
الفراشات الحية 
فتباعدت المسافات و قلة المواعيد و تنكر منا
الصباح في قدومها ........

فذاك الطفل النائمِ فوق الأشجار العالية 
طفلي 
و الطريق إلى قلبه الطري هو طريقي المنسي 
فالحزن حزني و المأساة 
مأساتي .........

فربما بكت عيونٌ على دروب الحرمان بدمعها 
و هي ترشف من الحنين كل الذكريات 
بأوجع الكلمات 
لوحدك ستبقى ببن جدران المنفى الكئيبة تختزل 
جسد الآه لوحدك 
فمن تكون لأبكي معكَ من الحرمان المسكون 
بالقدر الملعون بين أيامنا قل لي 
من تكون ........

لم يعد يمكنني أن ألجأ لداخلي فمازلت أدرب
قلبي على النسيان 

إن خرير النهر و حفيف الصنوبر و السرو بجانب 
الطريق لطفولتنا المؤدي 
للسلام 
يرقصان في كف يدي برعشة الأمنيات بأسرار الحكايات 
و بالحنين 
فهل رأيت هدير البحر الأبيض المتوسط الكبير 
و صورتي القديمة معه
فهما مازالا ينامان فوق ظهري المسكون بالنحير و 
بالبنفسج 
لم يخبرني أحدٌ بأني تهت بين الهنا و الهناك
أرسو بالخسارات المصتنعة 
المؤرخة 
ربما نسي الأوائل كل حياتي المقتولة قبل رحيلهم
في الضجر و الأحزان و رغبتي
بالحب .........

فإنطق بالحقيقة كلها و لا تمت بصمت
الخاسرين الدائمين

فيا أيها الفجر القديم السريع لا تعد في وقتها
لتقسُ علينا 
حين إستيقظت و هي تخبز الخبز الساخن 
قبل صيحة الديك 
الباكر 
فقولوا لها لماذا تركتنا ورائها وحيدين في الرحيل 
أكي لننكسر أمامها خجلاً بدموعنا
السجية 
أمي إلى أين رحلتِ و تركتنا ورائك للكلاب
القاسية في الطعن  
فلماذا لم تأخذينا معكِ في الرحيل لماذا لم تأخذينا
معكِ في الرحيل ........

عجوزٌ كتبَ للزمان وصيته و مات بعجلٍ قبل
الخاتمة المنتظرة 

يا أيها العجوز الجالس فوق الغيم البعيد الذي 
نقشت بالصخر 
لتخرج لنا منه طعامنا و كسوتنا و شرابنا 
فأين ذهبت ..؟
فلما تبكي في القبر فمنذ متى و أنتَ تركتنا لأوجاع 
الزمان المر يا أبتي 
منذ متى قررت النوم في الحجر 
منذ متى رحلت 
فلم نشكرك بعد كي ترحل كالغريب البعيد البعيد 
فلم نشكرك
بعد ....!؟
فياليتكَ إنتظرتنا لساعةٍ أخرى كي نرحل معك
و نحن سالمين و مشبعون منك 
يا أبي .........

حارة قديمة و بيوتٍ تملئها الألفة و المحبة 
و أطفالٌ حفاة يركضون لحضن
الايام مبتسمين 
و كبار السن كجماعات يتبادلون الاحاديث و سير
العمر الطويل بكل سهولة و
حزن .........

قد كان هناك بائع البوظة المتجول بأيام الصيف 
بشوراع الحارة 
هناك  
يا بائع البوظة أين زمنك و أيامك القديمة 
كلها 
و مناداتك للبوظة لنشتري
منك 
إنه بائع البوظة قد كان يذكرنا بأننا مازلنا صغاراً 
هناك
و لم نكبر الآن إلا 
لنبكي ........

كانت تبيع لحمها ثم تنهدت بالفرح و انتصرت 
على السماء 
كأنه جسد ٌ لم يشبع من البيع في سوق الكلاب
كأنه جسد البلاء
فهذا الجسد الذي صار للشيطان بالحرام 
كان لي
و هذا البيت من ركام هو 
لي
و هذا العمر الذي حرقوه بمحرقة الطعنات
كان عمري المقسوم
لي 
فكيف باعوا ذاك الجسد الذي كان لي للكلب 
الغريب
فقولوا لمن غدورا و نهبوا منا كل الحياة 
لم نتغير 
لكنهم باعوا و هم قد تغيروا علينا مع الزمان و تغيروا
كثيراً 
كي يقتلوا فينا ما كنا نحيا به و نحن نمضي 
معهم للقيامة ........

فمتى كان الوقت .... ؟

كان الساعة تركض قبلنا إليهم و نحن نلعب مع
العمر الإفتراضي بكل شارع 
معاً 
فأين كل الذين كان معك ... ؟

لقد ذهبوا مع الريح لجهة النسيان و ناموا
في المرآة واقفين ........

فربما كانت تلك خدعة سحرية ولادتنا لندخل 
في دوامة الغياب 
التامة
لقد كانت تلك خيبة الأمل الكبرى هي مع الحياة 
البعيدة
و كانت تلك أُكذوبة علنية و قاسية جداً عندما 
صدقنا
كلام من صدقناهم في
البدايات ..........

فلا نريد أن تصبح بيوتنا مجرد مقبرة تحتوي
على أمواتٍ أحياء تهرب من لعنة 
الحياة المفقودة 
نريد أن نحيا بالقليل القليل من حصتنا من 
هذه الحياة ........

مرةً حلوة في الحلم و مرةً مرة في الحياة 
و مرةٍ لا شيء لا شيء 
فلا طعم لها .......
 
كهفٌ و ظل 
إمرأة عارية مقيدة و أشباحٌ تحرس المكان 
من ضوء القمر 
أنا لست عيسى بن مريم لأفك وثاقها و لا أنا يوسف 
الجميل 
لأحمل بعشقها ذنب القبل و اللمسات 
من جسدها
لعلي نسيت مكانتها في دمي و هجرتها بعدما
هجرتني على ذات الطريق المعرج
لجهة الهلاك
في الكهف صوتي القديم و قبر غريب مهجور
من السنين  
في الكهف كل ما يعتليني من ضجرٍ و شغف
الأمنيات هو لي .......

قد كانت القصة بداية النهاية دون أن ندري 
بأننا راحلون منها و
راحلون 

راحلون من جثث الأموات الأحياء من مشهدٍ 
طويل 
مليء بالأحاديث بكل أنواع الفراغ 
و الفراغ .......... 

تائهون و تائهون بذات الصدمة و ضائعون بذات 
الرواية المعلقة 
بالذاكرة المنسية بين هنا و هناك بألف وجع و 
وجع في النسيان 
الأبدي ........

لم نعد نشتاق و لكنني نبكي من الحنين 
و نجهش
نشتاق و نتناسى صيحة القلب من الوحدة
القاتلة فكفى لتلك 
الذاكرة ..........

فكم هي المسافة بيني و بين شرايين القلب 
فلم أعد أشعر بشيء من حولي
عبثت بكل السنوات الأخيرة دون أن أنجو
معها 
و عدت أخشع بالحرف المختزل بالوهن أضوع
بكل الكلام 
فرد لي ما اقتبسته من حياتي يا أيها البعيد 
لأنجو دونك بالقليل من العمر
المهدور .........

الآن نحيا ماضياً قديم لا يفكر بإغتيالنا مع
الزمان
نام المتوفي الغريب بالذكريات فهل يحق للموت 
أن يسرق جسداً بلا
روح 

فردَ لي كل أمنياتي و كل أيامي و فرحي و أحزاني 
و كل كتاباتي 
ردني لبرائة طفولتي الشهية و حلم الصبي للحب
الأول المقسوم 
للأحياء 
و لا تسرق من حياتي البسيطة كل حياتي دفعةٍ
واحدة 
فأموت من الفراغ و انسى طريقي إلى 
قلبي البريء ..........

قال ماذا حدث لك كي تبدو شاحباً و مهملاً
و كأنك بلا شيء و غير
منضبط 
لقد جئت من شجارٍ داخلي عميق فغلبني أناياي
الشخصي نادماً 
و أنا غلبته و كسرته بحماقتي و هذاياني 
في صراعٍ ذاتي .........

سأنتظر بلوغ الفجر البعيد فلي موعدٍ مع القهوة 
و سبجارة التبغ 
سأختم هذه القصيدة الشعبوية و أفتح نافذتي 
للهواء النقي
سوف أشغل التلفاز و أسمع لفيروز و أنا أراجع
الخطأ الكبير الموجود في 
النص 
الذي نسيته منذ البارحة على الطاولة كما نسيت
فيها كل التفاصيل و حتى العنوان 
الأخير للقصيدة ........

فأنا كافرٌ حقير بحق نفسي و بحق ذاكرتي 
و بحق القصيدة  
فأغفري لي يا أيتها الكلمات التي رقصت في
زحام الأموات الأحياء بكل أوجاعي
و أحزاني .........

لا تعيدني لمراياها ذاتها لأندب حظي بالكرب و
بالهموم 

فإني أعتذر منكِ و أعتذر من تلك الذاكرة العصية 
على النسيان 
فإني أطلبُ منكم الغفران أطلبُ منكم 
الغفران ....... 🙏🏼

ابن حنيفة العفريني ✍🏻 
مصطفى محمد كبار ........ ٣/٥/٢٠٢٦
حلب سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

تغريد الذكريات بقلم عبد الحميد ديوان

تغريد الذكريات ويمضي فؤادي في رحلة            تضاهي الصفاء بطيفٍ سعيد تغرٍد في مسمعي الذكريات           فيسعى فؤادي لأمسي الرشيد وتزهو الأما...