في زقاقنا الضيق، كان "ريسان" نكرةً لا يزن شيئاً، لكنه كان يمتلك موهبة خارقة في الانحناء اللامحدود. قضى خمسة عشر عاماً في قاع الحزب كـ "ماسح أحذية ومرافق حقائب، يمارس ذلّه بجدية العلماء، حتى ابتسم له الحظ البعثي اللعين، فترقى إلى رتبة "عضو عامل"
في تلك اللحظة الكافكاوية، انسلخ ريسان من آدميته وارتدى "البدلة الزيتونية" ككفنٍ متحرك للضمير. تحول فجأة من ممسحة إلى "طاغية الزقاق"؛ يزرع كرسيه في منتصف الشارع، وينظر للناس بانتفاخ طاووس مشوه، بل ويمارس رقابته الخبيثة على طلاب المدارس، منصتاً حتى لـ "صمتهم" خشية أن يكون شتيمة للرئيس، ليقتات به في تقاريره القادمة.
لكن المسرحية الهزيلة انتهت باختباء "الطاغية الأكبر" في حفرته الشهيرة. وهنا حدثت المعجزة البيولوجية: نزع ريسان جلده الزيتوني بسرعة البرق، وأطلق لحيته كعشب بري يخفي ملامح الجريمة، فاراً بغريزة الزواحف التي تبدل جلدها حسب الفصول.
اليوم، يجلس ريسان في مقهى بعيد، بلحية وقورة ومسبحة طويلة، يتباكى بأسى مصطنع قائلًا: "سقى الله أيام الزمن الجميل والبلاد الآمنة!". وهو يعلم في قرارة نفسه أن "جمال" ذلك الزمن كان يتلخص في كرسي، وبدلة زيتونية، وقدرة مجيدة على إرعاب الأطفال.
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الثلاثاء 19 آيار 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق