الأحد، 3 مايو 2026

وأنا بقلم أحمد المشقري

وأنا...  
أود أن أُقرأكِ لا ككتابٍ مفهوم،  
بل كحاشية مكتوبة على عجل في دفترٍ قديم،  
بخطٍّ مرتجف يشبه ارتباككِ حين أمرُّ في بالكِ فجأة.

أود أن أقرأ عن نافذتكِ نصف المفتوحة،  
وأعترف لكِ أنني أنا الشيء الذي لا تعرفين اسمه.  
أنا العائد الذي لا يطرق الباب،  
بل يتسلل مع الهواء البارد  
ليجلس على حافة قلبكِ دون إذن،  
ثم يرحل قبل الفجر... ويترككِ تظنينه حلمًا.

عن فناجين قهوتكِ الباردة...  
أنا السبب.  
أنا الحديث الذي لم يحدث بعد،  
لكنه حدث ألف مرة في رأسينا،  
حتى شبعنا منه قبل أن نقوله.  
فنحن أبناء الخيال الذي قتل الواقع،  
نعيش القصة كاملة في الخاطر،  
ثم نستيقظ فنجد الواقع لا يستحق عناء البوح.

عن الساعة الثالثة فجرًا،  
حين يصبح العالم أقل كذبًا.  
صدقتِ.  
لأن المنافقين ينامون،  
ولا يبقى مستيقظًا إلا الصادقون والمتألمون.  
والوحدة حينها لا تعود كرسيًا فارغًا،  
تصبح هي الكرسي الوحيد،  
ونحن نجلس عليه بكامل إرادتنا،  
لأننا نعرف أن لا أحد سيأتي،  
لكننا ننتظر... كي لا نعترف أننا يئسنا.

عن المصابيح والقطط والأرصفة...  
القطط تعرف الحنين لأنها لا تكذب على نفسها.  
تعود للأماكن التي أحبّتها دون كبرياء.  
أما نحن، فندّعي النسيان،  
والرصيف وحده يفضحنا،  
يحتفظ بخطواتنا كدليل إدانة  
على أننا مررنا من هنا... بقلب كامل.

عن الرسائل التي لا نرسلها،  
هي أصدق رسائلنا.  
لأنها كُتبت بلا تجميل، بلا خوف من الرد،  
كُتبت لنا، لا لهم.  
والأصابع التي تتردد... ليست جبانة.  
هي فقط تعرف أن بعض الاعترافات  
إذا قيلت، ماتت.  
فبقاؤها في الهاتف، معلقة،  
هو الطريقة الوحيدة لإبقائها حيّة.

عن أبيكِ الذي خبّأ تعبه في الصمت،  
وعن أمكِ التي قرأت حزنكِ من إغلاق الباب...  
كلنا أبناء بيوت تعلّم الصمت قبل الكلام.  
تعلّمنا أن الوجع إذا نطقناه كبر،  
فابتلعناه، حتى صار جزءًا من دمنا.

عن البلاد التي تأكل أبناءها،  
وعن الحروب التي تنتهي بأم تنتظر...  
هذه البلاد أنجبتنا لتبتلعنا،  
وأنجبت أمهاتنا لتعذّبهن بالانتظار.  
والخوف صار عادة، نعم.  
صرنا نشربه مع الماء،  
ونتنفسه مع الهواء،  
حتى نسينا كيف يبدو القلب  
حين لا يرتجف.

عن الله في آخر الليل...  
نطرق بابه لأن كل الأبواب الأخرى أغلقت.  
والدعاء يشبه البكاء، نعم.  
لأننا لا نملك كلمات مرتبة،  
نملك قلبًا مكسورًا، ونضعه أمامه  
ونقول: "أنت تفهم، حتى لو لم أتكلم".

ثم عني...  
عن هذا الخراب الجميل الذي تركته في ترتيب أيامكِ.  
سامحيني.  
لم أقصد أن أصير تفصيلًا صغيرًا يهدم يومًا كاملًا.  
كنت أظنني عابرًا،  
فاكتشفت أنني استوطنتُ دون أن أدفع الإيجار.  
وأصبحتُ ثقيلًا كاسم،  
خفيفًا كغياب،  
قادرًا على الإنقاذ والهدم... بنفس الحرف.

عنّا...  
عن هذه المنطقة المعلقة التي نسميها انتظارًا.  
هي ليست حبًا كاملًا لأننا جبناء،  
وليست غيابًا كاملًا لأننا أغبياء.  
هي المنطقة التي يموت فيها المرء ببطء،  
وهو يبتسم، ويقول: "أنا بخير".  
منطقة لا فيها عناق ينهي الشوق،  
ولا فيها باب يُغلق لننسى.  
فقط نافذة نصف مفتوحة،  
وفنجان قهوة بارد،  
واسم يتردد في الرأس... كجرس إنذار لا يصمت.

ثم عن النوم...  
ذلك الصديق القديم الذي خرج حين سكنتكِ.  
أنا أيضًا طردته.  
قلت له: "كيف أنام وفي رأسي امرأة  
تُرتّبني كفوضى جميلة،  
وتكتبني كشيء يشبه ارتباكها؟"  
فغضب مني، وذهب.  
ومنذ ذلك الحين،  
أنا وأنتِ مستيقظان،  
نحرس هذا الأرق معًا،  
كأنه ابننا الذي لم ننجبه،  
لكننا نربيه... بالسهر.

فاكتبي لي.  
لا كقصيدة موزونة،  
اكتبي لي كخراب.  
كفوضى جميلة.  
كشيء لا يريد أن ينتهي،  
لأننا إذا انتهينا من الكتابة...  
ماذا تبقى لنا  
غير مواجهة هذا الغياب الكامل  
الذي نخاف أن نسميه باسمه؟... 

                   •••
أحمد المشقري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

من شفاهِ نرجسةٍ بقلم حكمت نايف خولي

حكمت نايف خولي  من شفاهِ نرجسةٍ من شفاهِ نرجسةٍ والهةٍ رشفتُ خمرةَ الهوى .... نبيذاً معتَّقاً في وعاءٍ من نور ... نبيذاً مقدَّساً معطَّراً ب...