الثلاثاء، 28 يوليو 2026

مدن لا تموت بقلم كارم الطير

مدن لا تموت،،،، ابدا
خانوكِ يا بغداد
كارم الطير
خانوكِ يا بغدادُ... يا أرضَ عشتارَ والنعمانِ،
يا نبضَ دجلةَ، يا أنشودةَ الفجرِ في الأوطانِ.
يا تاريخًا لن يُمحى، ولن يطويهِ نسيانُ،
فأنتِ أولُ الحرفِ، وأنتِ أولُ الإنسانِ.
يا أرضَ الرافدينِ...
يا مهدَ الحضاراتِ،
يا بابلَ الشامخةَ،
يا سومرَ التي علَّمتِ الدنيا
أن الطينَ إذا عانقَ الفكرَ
صارَ لوحًا يكتبُ الخلود.
منكِ انطلقتْ شمسُ المعارفِ،
ومن ضفافِكِ
ارتفعَ أولُ نشيدٍ للحياة،
وفي ترابِكِ
كبرتْ السنابلُ،
وتعلَّمَ النخلُ
كيف يُصافحُ السماء.
على أرصفتِكِ
مرَّ الرشيدُ مزهوًّا بعدلِه،
وأنشدَ المتنبي
قصائدَ الكبرياءِ،
ورسمَ الجواهريُّ
على جبينِكِ
قصيدةً لا تشيخ.
لكنهم... خانوكِ.
جاؤوا بوجوهٍ
لا تعرفُ الرحمة،
ولا تقرأُ التاريخ،
ولا تسمعُ بكاءَ الأمهات.
حطَّموا أبوابَكِ،
وأحرقوا مكتباتِكِ،
وسرقوا آثارَكِ،
ولوَّثوا دجلةَ
بدماءِ الأبرياءِ.
قتلوا الأطفالَ
قبل أن يحفظوا أسماءَ النجوم،
ورمَّلوا النساءَ،
وأثكلوا الأمهاتِ،
وأوقدوا نارًا
في كلِّ بيت.
كأنَّ مغولَ العصر
عادوا من جديد،
لكنهم هذه المرة
كانوا يتكلمونَ
بلغاتٍ كثيرة،
ويحملونَ
وجوهًا شتى،
وقلبًا واحدًا
لا يعرفُ إلا الخراب.
وأنتِ...
وقفتِ رغمَ الجراح،
تضمِّدينَ نزيفَكِ
بصبرِ الأنبياءِ،
وتزرعينَ في الركامِ
وردةً،
وفي الدخانِ
أملًا.
يا بغدادُ...
لو سقطتِ ألفَ مرةٍ،
لقمتِ ألفًا وألفًا،
فالنخلُ لا ينحني،
ودجلةُ لا يتوقفُ عن الغناء،
والفراتُ
لا يعرفُ إلا طريقَهُ إلى الحياة.
سيعودُ أطفالُكِ
ليزرعوا الياسمينَ
مكانَ الرصاص،
وسيعودُ الشعرُ
يغسلُ وجهَ المدينةِ
من غبارِ الحرب.
وسيبقى اسمُكِ
منقوشًا
في قلبِ كلِّ عربيٍّ حر،
وفي ذاكرةِ التاريخ.
خانوكِ يا بغدادُ...
لكنهم
لن يهزموكِ.
فأنتِ مدينةٌ
كلما ظنَّ الظالمونَ
أنها انتهت...
تنهضُ من رمادِها،
كطائرِ العنقاء،
أشدَّ بهاءً،
وأكثرَ مجدًا.
سلامٌ عليكِ
يا عروسَ الرافدين،
يا قبلةَ الشعراءِ،
يا وطنًا يسكنُ القلوبَ
ولو باعدتْ بيننا المسافات.
وسيبقى العراقُ...
ما بقي دجلةُ والفراتُ،
وما بقي في الأرضِ
شاعرٌ
يعرفُ كيف يكتبُ اسمَ بغداد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أَحْكِي يَا جَدِّي حَدِيثَ الْمَسَاءِ،(جزء ثاني) بقلم أحمد يوسف شاهين

أَحْكِي يَا جَدِّي حَدِيثَ الْمَسَاءِ،(جزء ثاني)     فما زالَ ذِكْرُ اللَّيالي هُناكَ   لصيفٍ يزورُنا بعدَ الشِّتاءِ   أزيزُ السَّواقِي وشَج...