▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كانوا ينادونه فى العمل: ملك البؤس.
يضحكون، فيضحك معهم، كأن اللقب لا يعنيه. لكنه كان يعرف أنهم لم يظلموه.
يسكن مع زوجته وخمسة أطفال فى بدروم أسفل العمارة. غرفة وصالة وحمام بلدى، وسقف منخفض لا تفارقه رائحة الرطوبة. شباك صغير يطل على منور ضيق، تغطيه قضبان حديدية، حتى إنه كان يقول ضاحكًا:
ناقص عسكرى يقف بره.. وأبقى اتحبست رسمى.
فتبتسم زوجته، ثم يبتلع الصمت ابتسامتها.
لم يكن فى البيت ما يستحق السرقة.
بوتاجاز مسطح أكل الصدأ أطرافه، كنبة متهالكة، وتلفاز عجوز لا يعمل إلا إذا ربت عليه بكفه، كأنه يوقظه من النوم.
أما اليوم الأول من كل شهر، فكان عيده الوحيد.
يتسلم راتبه، فيشعر لساعات أنه انتصر على الدنيا.
ثم يبدأ فى توزيعه:
قسط..
دين..
جمعية..
دواء..
وقبل أن تغيب الشمس، يعود كما كان..
ملك البؤس.
ومع ذلك، لم يكن ساخطا.
كل ما تمناه علبة سجائر كاملة، وكوب شاى ثقيل آخر الليل، أو سندوتش ساخن لا يكون بقايا إفطار أحد.
أكثر مكان يحبه فى البيت كان الشباك.
ليس لأنه يطل على منظر جميل، بل لأنه يطل على المنور.
هناك كانت تدور حياة العمارة.
فى البداية، كانت الأصوات تصل إليه مصادفة.
ثم صار يميزها.
ثم يحفظ أصحابها.
حتى أصبح يعرف الجيران من أصواتهم أكثر مما يعرفهم من وجوههم.
ضحكات..
خلافات..
أطفال يذاكرون..
زوج يعتذر..
وزوجة تبكى.
وكان، كل ليلة، يعد نفسه ألا ينصت.
ثم يجد نفسه فى الليلة التالية جالسا فى مكانه المعتاد، ينتظر ما يجرى، كأن المنور صار شاشة لا يستطيع إغلاقها.
أقرب الشقق إلى قلبه كانت شقة الأستاذ جمال.
رجل تجاوز الخمسين، يعمل محاسبا بإحدى الشركات، تزوج منذ عامين من ريهام، فتاة تصغره بسنوات كثيرة.
كانت ابنة بيئة بسيطة مثلهم.
تحكى لزوجته عن طفولتها فى حارة مزدحمة، ثم تضحك:
الجوع بيعلم الواحد يحس بالناس.
وإذا زاد عندها طعام، طرقت باب البدروم قبل أن تضعه فى الثلاجة.
تمد الطبق إلى زوجته قائلة:
خدى.. الولاد أولى.
لم تكن تتصدق عليهم.
كانت تتصرف كأنها تسدد دينا قديما للفقر الذى خرجت منه.
ولهذا أحبها أطفاله، كما لو كانت واحدة من العائلة.
لكن الأشهر الأخيرة غيرت كل شىء.
ارتفع صوت الأستاذ جمال.
وكثرت المشادات.
ولم يعد المنور ينقل إلا ما يكفى ليشعل الخيال:
غيرة..
شك..
عتاب..
ثم صمت.
فى تلك الليلة، كانت السماء تمطر بعنف.
وضع البراد على النار، وألقى نصف ملعقة شاى فى الماء.
وقبل أن يغلى..
شق المطر صوت ريهام.
صرخة...
لم يسمع مثلها من قبل.
ثم جاء صوت الأستاذ جمال غاضبا:
قلت لك.. كفاية!
تداخلت الكلمات مع الرعد.
وفجأة..
دوى ارتطام عنيف.
كأن قطعة أثاث سقطت..
أو إنسان.
ثم عمّ الصمت.
صمت لا يشبه الصمت الذى يعقب الصلح.
أطفأ النار تحت البراد.
وقف أمام الشباك.
انتظر أن يسمع بكاء..
أو اعتذارا...
أو حتى صوت باب.
لكن المنور، لأول مرة منذ عرفه، بدا كأنه فقد صوته.
أشعل نصف سيجارة كان يحتفظ بها منذ يومين.
قال لنفسه:
يمكن ناموا..
قالها ليهدئ قلبه، لا ليصدقها.
التفتت إليه زوجته.
مالك؟
مفيش..
لكنه لم يكن بخير.
ظلت ريهام تمر أمام عينيه، وهى تضحك مع أولاده، أو تمد لزوجته طبقا من الطعام وتقول:
عملت حسابكم معايا... يارب يعجبكم.
مد يده إلى هاتفه.
تردد.
أعاده إلى جيبه.
ثم أخرجه من جديد.
ضغط على اسم الأستاذ جمال.
رن الهاتف طويلا.
حتى جاءه صوت مبحوح، متعب:
ألو..
قال فى حذر:
أستاذ جمال.. حضرتك كويس؟
ساد صمت ثقيل.
ثم جاءه الرد:
اطلع لى.. بسرعة.
وانقطع الخط.
ظل ممسكا بالهاتف لحظات.
نظر إلى زوجته.
جمال بيقول أطلع.
بدت الحيرة على وجهها.
خير؟
لم يجب.
ارتدى جلبابه على عجل.
وما إن وضع قدمه على أول درجة فى السلم، حتى انقطع التيار الكهربائى.
ابتلع الظلام العمارة كلها.
أضاء كشاف هاتفه.
وصعد.
كان يشعر أن كل درجة تقوده إلى شىء لا يريد أن يراه.
وحين وصل إلى باب الشقة، رفع يده.
وقبل أن يطرق..
انفتح الباب ببطء.
وقف الأستاذ جمال أمامه.
وجه شاحب..
وعينان غارقتان فى الذهول.
ثم قال كلمة واحدة:
ادخل..
دخل.
أغلق جمال الباب خلفه فى هدوء غريب.
لم يكن هدوء رجل يسيطر على أعصابه، بل هدوء من استنفد كل ما يملك من صراخ.
تحرك ضوء الهاتف داخل الصالة.
مر على طرف الكنبة..
ثم على سجادة انزاح ركنها..
حتى توقف.
كانت ريهام ممددة على الأرض.
إحدى يديها منثنية تحت جسدها، وخصلات شعرها تغطى نصف وجهها. وإلى جوار رأسها بقعة دم صغيرة، بدت فى ضوء الكشاف أكبر مما هى عليه.
تجمد مكانه.
لا يعرف هل يقترب..
أم يهرب.
وفجأة..
رن هاتفها.
أضاءت الشاشة.
"أمى".
ملأ الرنين الصالة.
نظر جمال إلى الهاتف، ثم أشاح بوجهه.
انتهت المكالمة.
وبعد لحظات عادت من جديد.
أغمض عينيه وقال بصوت منكسر:
والله.. ما كنت أقصد.
لم يسأله خيري.
كان المشهد كله يجيب.
رفع الكشاف قليلا.
مر الضوء على المكتبة..
ثم النجفة..
ثم صورة تجمع جمال وريهام، يبتسمان للكاميرا كأنهما لم يعرفا يوما أن البيوت قد تنهار فى لحظة.
تذكرها.
وهى تطرق باب البدروم بطبق أرز باللبن.
وهى تربت على رأس أصغر أولاده.
وهى تقول لزوجته:
انتم هنا أهلى.
خفض رأسه.
وشعر أن شيئا ينكسر داخله.
جلس جمال على طرف المقعد.
تمتم، كأنه يحدث نفسه:
وقعت..
وسكت.
ثم قال:
زقيتها.. بس ماكنتش أقصد.
ساد الصمت.
حتى خيل إلى خيري أن المطر توقف هو الآخر ليستمع.
اقترب من هاتف ريهام.
ضغط زر الإغلاق، ووضعه برفق فوق الطاولة.
ثم نظر إلى جمال.
وقال بهدوء:
لازم تبلغ الإسعاف.. والشرطة.
رفع جمال رأسه.
كانت فى عينيه نظرة رجل انتهت كل محاولاته للهرب.
يعنى.. خلاص؟
لم يجبه.
التفت نحو الباب.
وعند العتبة، وقعت عيناه على الشقة.
اتساعها..
واناقتها...
وحياة طالما تخيل نفسه يعيشها.
مرت الفكرة فى رأسه، خاطفة:
"لو دخل جمال السجن.. هتبقى لمين؟"
توقف.
ارتبك من نفسه.
ثم نظر إلى ريهام.
تذكر أولاده وهم يلتفون حول طبق الطعام الذى كانت ترسله.
أطرق رأسه.
وهمس:
سامحينى.
أخرج هاتفه.
واتصل بالإسعاف.
ثم أبلغ الشرطة بما رآه.
قبل الفجر بقليل، امتلأت العمارة بالوجوه.
أضواء سيارات الإسعاف انعكست على جدران المنور.
الجيران الذين طالما راقبهم من خلف قضبان نافذته، كانوا هذه المرة يراقبونه هو.
خفض بصره.
ولم يحاول أن يفسر لأحد شيئا.
عاد إلى البدروم.
جلس فى مكانه المعتاد.
نهض فى هدوء.
أشعل النار تحت البراد من جديد.
ظل يراقب الماء حتى بدأ يغلى.
سكب الشاى فى الكوب، ثم جلس صامتا.
سألته زوجته فى همس:
حصل إيه؟
ظل صامتا.
ثم قال:
فى حاجات..
لو خدتها..
تخسر نفسك.
لم تسأله مرة أخرى.
نظر إلى الشباك.
إلى القضبان.
إلى المنور الذى ظل سنوات نافذته على حياة الآخرين.
نهض.
وأغلق ضلفتى الشباك لأول مرة.
ثم أسدل الستارة.
جلس فى صمت.
وفى الخارج، كان أذان الفجر يرتفع من المسجد القريب.
أما فى الداخل..
فشعر، لأول مرة منذ سنوات، أن ضميره هو الشىء الوحيد الذى خرج به من تلك الليلة.
وكان ذلك.. يكفيه.
طارق الحلوانى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق