مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

حاول تفتكرني بقلم جمال الشلالدة

حاول تفتكرني
حاول تفتكرني حين تأخذك الخطوات صدفة إلى الشوارع التي مشيناها يومًا  
وكأن الأرض ما زالت تحفظ أسماءنا  
وكأن الجدران القديمة ما زالت تنتظر ضحكاتنا التي رحلت ولم ترحل

حاول تفتكرني عندما تجلس في مكان اعتدنا أن نسرق فيه لحظات من العمر  
وحين تنظر إلى المقعد الفارغ بجانبك  
فتشعر أن هناك شيئًا كان يملأ المكان ثم غاب

حاول تفتكرني عندما يأتي المساء طويلًا هادئًا  
وتبحث في زحام الأيام عن وجه يشبه الطمأنينة  
التي كنت تجدها ذات يوم بقربي

فأنا لم أنس تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد سوانا  
لم أنس الطريق الذي أخذنا إلى أحلامنا  
ولم أنس تلك الأماكن التي شهدت حكايتنا  
ولم أنس صوت الضحكة التي كانت تجعل الدنيا أخف

ما زلت أذكر كيف كانت الأيام تمضي بنا دون خوف  
وكيف كنا نظن أن بعض الأشخاص خلقوا ليبقوا  
وأن بعض الوعود لا يمكن للزمن أن يكسرها

لكن الأيام أخذت ما أخذت  
وتركت في القلب فراغًا لا يملؤه شيء  
وتركت أسئلة كثيرة بلا جواب  
وتركتني أقف أمام الذكريات حائرًا بين أن أشتاق وبين أن أتقبل الغياب

أحيانًا لا يكون الندم على الرحيل  
بل على لحظات لم نعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكرى  
وأحيانًا لا نبكي الأشخاص  
بل نبكي النسخة الجميلة من أنفسنا التي كانت معهم

فإن مررت يومًا من مكان جمعنا  
فلا تمر سريعًا  
انظر قليلًا لعلك ترى أثر خطانا  
ولعلك تسمع صدى حديثنا القديم  
ولعلك تدرك أن هناك أيامًا لا تعود لكنها تبقى أجمل ما عشنا

حاول تفتكرني  
لا لأنني أريد منك عودة  
ولا لأنني أبحث عن عتاب  
بل لأن بعض القلوب تستحق أن تُذكر بالخير  
وبعض الذكريات خلقت لتبقى مضيئة مهما طال الغياب

وإذا سألك قلبك يومًا عني  
فقل له  
كان هناك إنسان أحب بصدق  
ومضى يحمل في داخله أجمل الأيام وأصدق المشاعر  
ولم ينسَ الحكاية وإن انتهت

حاول تفتكرني فقط  
كي تعرف أن بعض الأشخاص يغيبون عن العين  
لكنهم يبقون في مكان لا يصل إليه النسيان

بقلم : جمال الشلالدة

90

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق