كانت مسألة التوقيف الشديد الذي أمر به قائد الكتيبة لي مسألة سهلة إزاء المشكلة الأهم لدي وهي ضياع هويتي العسكرية
لقد تلقيت أمر التوقيف الشديد بعدم اكتراث، إذ أن مشكلة فقدان الهوية هي أشد وأعتى في ظل نظام لا قيمة للفرد فيه
السمات التي تصبغ وجه المرء عادة وحدها تمنحه صك براءة أو وصمة إدانة، فالسمات يصعب على المرء التلاعب بها مهما كان عبقريا وعنده قدرات خارقة على إخفاء حقيقة أمره
وإذن، ربما وقفت غدا أو بعد انتهاء مدة التوقيف الشديد كي أصرح لقائد الكتيبة بفقدان هويتي العسكرية
ويا للأسف فقائد كتيبتنا تخلفت دونه ملكة الفراسة التي من خلالها ومن خلال حسن قراءة الوجه يتم الحكم على الشخص ما إذا كان صادقا أم كاذبا أم مخادعا فيما يدافع به عن نفسه
ثم حتى ولو كانت لدى قائد كتيبتنا ملكة الفراسة فما أهمية ذلك ما دام يقرر قراراته دونما اهتمام أو بحث عن الحقيقة وهو المعتد بسلطانه ونرجسيته؟! ولا أظنه سيكون حكما عدلا
ولا أظن أن قائد كتيبتنا سيتعامل معي بمنطق رحماني بل بمنطق الفوقية التي تتلبسه، وعلى هذا ربما أمر بإحالتي إلى الشرطة العسكرية
دخلت المهجع وعلى وجهي علامات بؤس وغم وسارع صديقي من أيام مدرسة الإشارة في النبك سارع نحوي وقد علت وجهه ابتسامة جميلة رائعة، وقال: ماذا تفقد يا شيخ يحيى؟
لقد فاجأني بسؤاله هذا ولم تكن الهوية الضائعة بأي حال تخطر على بالي، لذا سارعت إلى القول بشكل قطعي: لا شيء
قال: بل تفقد شيئا مهما جدا لديك
ومن قبيل العكوف على ذاتي مرة أخرى أفكر في مشكلة الهوية الضائعة حاولت التملص من مواجهته وقلت له: إذا كنت تقصد الهوية فهذه فقدتها في حلب
أخرج مظروفا من جيبه وقد طفح البشر على وجهه وقال بعد أن فتح المظروف و أخرج منه طرفا من الهوية وقال: أليست هذه هويتك؟
فكأنما أغشي علي وسارعت مندفعا إليه أعانقه وأنا أقول: بشرك الله بجنة عرضها السموات والأرض
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق