مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

رسومات في زمن المفاهيم المقلوبة بقلم طواهري امحمد

* رسومات في زمن المفاهيم المقلوبة*

احتضنتني حدائق السنوات وأنا أتسلل بنظري من عتبة إلى عتبة، أبحث بين الأيام والأدراج عن مفتاح روضة الورد، وعن غريد الياسمين، وعن مساءات كانت تعرف معنى سلام الراحة.

قريب من باب المدينة التي ضاق نفسها.  
مدينة خلت من الشرفاء وخلت من الكبرياء، فامتلأت بالهواء الثقيل وبالضجيج وبأصحاب المصالح الصغيرة.  
مدينة تُدار بابتسامات مزيفة وولاءات تُشترى على حساب النزاهة والكفاءة، على حساب المبادئ بقليل من النفاق.
وطن يتنفس بصعوبة، وآباء وشيوخ يحملون همّ العيش على ظهورهم،  
وطُرق تعج برسوم وجوه متعبة وأسئلة معلقة في الهواء، لا تطلب جواباً بقدر ما تطلب صمتاً يفهمها.

ومحفظة الأيام لا تحمل إلا المعاناة ذاتها، بلا مرشد ولا ناقد.  
وكل صباح نبدأ بانتظار ما لا يأتي.  
العالم يتغير من حولنا ولم يبقِ لنا شيئاً كما كان.  
الأطفال يكبرون بلا طفولة، والشباب يهاجرون خلف الحجب بحثاً عن مستقبل،  
وحتى الذكريات صارت حجارة في الصدر.

ننهض ثم ننزلق، ونحاول ثم نكبو.  
ونبقى واقفين أمام سؤال واحد: إلى متى يبقى الحلم بعيداً والواقع مريراً؟  
إلى متى لا نفهم أن ما تبقى لنا هو دفء بعضنا بعضاً؟

لا أمل وسط هذا العبث، وسط التطبيل لزيفٍ يرقص في كؤوس النبيذ،  
وسط شاشات تقتل البراءة في مهدها قبل أن تحبو ، وتقتل الشباب قبل أن يحيوا،  
مقابل لذة عابرة ومكسب زائل.

لن يرتاح من يطارد السعادة بين شهوات لا تشبع ورغبات لا تنتهي.  
يدور في دائرة، كلما أغلق باباً فتحت له عشرة، من سوء إلى أسوأ.

والحقيقة ليست في عمر طويل ولا في مال ولا في منصب ولا في شهادات من ورق .  
الحقيقة تكمن في نجاة من سؤول للغد ،في وعي وحكمة ومعرفة.  
ولم يعد المثقف منارة، صار باحثاً عن امتياز ومكانة بأي طريق، ولو يدوس على رؤوس الآخرين.
عن مديح يرفعه درجة، وعن زيادة تملأ جيبه، وعن تكريم يعلق على الجدار.  
وهذه حقائق نخجل أن نقولها في المنابر.

والمصيبة لا تقف عند المثقف.  
المصيبة فيمن يبيع الحق بالباطل، ويرفع الولاء على الكفاءة،  
فيجعل العلم بلا قيمة والإبداع بلا ثمن.  
فيصبح المثقف خادماً للكرسي الذي جلس عليه،  
وتتحكم النفوس المريضة في بعضها، وتتسلق في موكب الفساد.

كان الأولى أن يكون المثقف ضمير الأمة، صوت العقل، العين التي ترى الظلم فتسميه،  
لا بوقاً يطبل ويتجاهل.  
لكننا ننتج جيلاً منقسماً زمراً وطوائف، يحركه هاتف أو توقيع.

فتصير الهدية الثمينة هي الرقم السري بين القلوب،  
وتصير المدينة مسرحية عبثية يعاد مشهدها كل يوم.  
ويُجبر الضعيف على النفاق ليبقى، ثم يتحكم بمن هو أضعف منه.  
ويتغطى الجميع بالمثالية صباحاً، بينما يغيب الضمير ليلاً.

ونحن في مدينة انقلبت فيها الموازين:  
صار الحياء تهمة، والنزاهة غباء، والتواضع ضعفاً.  
مدينة لا تؤمن بالعقل ولا بالضمير ولا بالدين.  
وغداً ستفرغ من الشرفاء، وتمتلئ بالسفهاء.  
وسيغيب الصالحون ويبقى الصمت بطعم المرارة.

الأفكار المستوردة تحجب عقولنا، وعادات الغرباء تسلب أولادنا،  
فلا نرى وجه دين، ولا أثر منهج.

واليوم لا أملك إلا قلباً مشتعلاً وعقلاً يسأل.  
العمر مضى وأنا أختصر المسافات بحلم.  
أنا لا شيء بين المحطات.  
دعني أنام على أوراقي لأشم رائحة وجداني،  
وأمد يدي البسيطة إلى يدك البعيدة.  
دعني أحبك لحظة، ثم أحدثك عن المدينة وعن موتٍ جاء قبل الولادة.

دعني أعتنق معتقدي وأموت في نسيانٍ هادئ.  
فما خاب من أودع الله همه و شتات أمره.

*بقلم: طواهري امحمد*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق