الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

لا أثرَ منّي بقلم عبدالصاحب الأميري

لا أثرَ منّي
السفير عبدالصاحب أميري 
عبدالصاحب الأميري 
&&&&&&&&&&&&
 لا أثرَ منّي.
كأنني لم أعبر هذا البيت يومًا، ولم تُصافحْ ظلالي عتباتِه.
زهقتُ... تعبتُ من مطاردةِ رجلٍ كان يحمل اسمي، ثم اختفى دون أن يتركَ حتى صدى خطاه.
لم يحتفل أحدٌ بقدومي،
 ولا ذلك العجوز الجالسُ في آخر الغرفة، يحصي أصابعه كأن الزمنَ انكسر فيها.
الجدرانُ أنكرتني، 
الأبوابُ مرّت بي كما يمرُّ الهواءُ بخرائبَ لا ذاكرةَ لها.
لا أثرَ لبدلةِ العيد، 
ولا لصورةِ التخرّج المعلّقةِ يومًا على مسمارِ الفرح.
لا أثرَ لغرفتي، 
ولا لمكتبتي، ولا للكتب التي كانت تعرفُ رائحةَ يدي.
ولا لقصائدي...
 ولا لحبيبةِ العمر التي وعدتُها أن نهزمَ الفناءَ معًا.
جنَّ جنوني.
ها أنا أفتّشُ عن نفسي في الزوايا، وفي المرايا، 
وفي الغبار الذي يحفظ أسماءَ الراحلين.
أأنا الذي اختفيت؟ 
أم أن الوجودَ هو الذي أتقنَ لعبةَ لي وحدي
أبحثُ عن آثار قدمي تحت شجرةِ التين، 
هناك... حيث كنتُ أراجعُ دروسي، أرتّبُ أحلامي
 وأكتبُ القصائد وكأن الكلمات أقدرُ من العمر على البقاء.
لا أثرَ لذلك الشاب الوسيم، ابنِ الثالثةِ والعشرين، الذي كان يظنُّ أن المستقبلَ بابٌ لا يُغلق.
إلى مَن أسأل؟
أسألُ هذا العجوز الغارقَ في صمتِ أصابعه، وأقول:
يا إلهي... في مثلِ هذه الأيام كان ينبغي أن تُقامَ مراسمُ عرسي.
أين أبي؟ أين أمي؟ أين إخوتي؟
صادق... رزاق...
هل رحلوا جميعًا؟ 
أم أخذوني معهم وتركوني 
سأصرخُ باسمي حتى تتشققَ الجدران.
قد تسمعني
أنا صالح!
لعلَّ الحجارةَ أوفى من البشر، ولعلَّ الصدى يعترفُ بي.
عندها...
رفع العجوزُ رأسه.
ابتسم، وفي ابتسامته خرابُ عمرٍ كامل.
قال بهدوءٍ يشبهُ يقينَ المقابر:
تبحثُ عنك؟
ثم أطرق قليلًا، وأضاف:
كنتُ أنت... حين كنتَ تتمنى أن يطولَ الشباب.
فعرفتُ، متأخرًا، أن الإنسان لا يضيعُ دفعةً واحدة؛
إنه يتركُ نفسَه كلَّ يوم في مكان،
حتى يعودَ ذات مساءٍ، ولا يجد أثرًا منه.
السفير عبدالصاحب أميري العراق
عبدالصاحب الأميري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ليل مجهول (834) بقلم صبري رسلان

ليل مجهول (834) ............... أنا حاسس إنك مش هي  وإتغير قلبك في عينيه ياما مر الليل في غياب للروح  ولا دوقت في قربك حنيه  بتداري عيونك عن...