_بقلم: طواهري امحمد_
في حضرة الليل تسقط كل الأسماء التي علقناها على أنفسنا طوال النهار، وتذوب الألقاب التي حملناها كدروع ثقيلة، ويبقى الإنسان وحده، عارياً أمام ذاته، بلا جمهور يصفق، وبلا سلطة تراقب، وبلا قانون يخشاه سوى قانون الضمير.
الليل لا يسأل عن وظيفتك ولا عن شهادتك ولا عن عدد المتابعين الذين جمعتهم في النهار، الليل يسأل سؤالاً واحداً فقط: من أنت حين لا يراك أحد؟
في النهار تضج العقول بالضجيج، بالردود الجاهزة، بالموافقات التي لا نؤمن بها، بالضحكات التي نقيسها بميزان المجاملة، وبالصمت الذي نحسبه ألف مرة قبل أن نطلقه. نركض خلف الواجب، ونهرب من السؤال، وندفن الأسئلة المحرمة تحت أكوام من الانشغال.
أما في الليل، فحين يخلع العالم حذاءه ويدخل إلى بيته، يخلع العقل بدوره حذاءه الثقيل، ويجلس على الأرض، ويبدأ في الحديث. وهنا تبدأ الأسئلة التي كنا نؤجلها: لماذا نضحك ولا شيء يضحكنا؟ لماذا نوافق على أشياء نعرف في داخلنا أنها باطلة؟ لماذا نخاف من قول "لا" أكثر مما نخاف من خيانة أنفسنا؟ لماذا نخاف أصواتنا ولا نخاف من تلك الوحدة التي تأكلنا ببطء كل ليلة؟
الليل ليس ظلاماً كما يظنه الخائفون. الليل ضوء من نوع آخر، ضوء لا يُبهر العين بل يكشف القلب. هو ضوء يرى الشقوق الدقيقة في الجدران التي بنيناها طوال اليوم لنخفي ضعفنا، ويرى الغبار المتراكم فوق الأحلام التي أجلناها بحجة "ليس الآن". في حضرة الليل لا توجد ستائر، ولا ديكور، ولا كواليس. هناك حقيقة واحدة فقط، عارية كما هي.
وتصبح النفوس في الليل كبحار واسعة بلا شواطئ. تعلو فيها الموجة فتغرق الذكريات القديمة، وتنحسر فتنكشف القيعان: الخوف الدفين، والطمع الصغير، والحنين الكبير الذي لا نعترف به في النهار. لا أحد يراقب هنا، فلا حاجة للتمثيل. البكاء لا يُسمى ضعفاً، والاعتراف لا يُسمى فضيحة. هنا فقط يسمح للإنسان أن يكون إنساناً.
الليل معلم قاسٍ، لا يوزع الدروس في كتب، ولا يلقي المحاضرات في قاعات. الليل يضع أمامك مرآة ويقول لك ببساطة: "انظر". فترى تناقضك. ترى أنك تصلي أحياناً من خوف لا من حب، وتعمل من هرب لا من شغف، وتحب من حاجة لا من عطاء. وترى أيضاً شيئاً آخر قد نسيته: أن تحت كل هذا الركام، وتحت كل هذه الطبقات من الواجب والخوف، لا يزال هناك طفل لم يمت. طفل كان يحلم، وكان يسأل، وكان يؤمن أن الكلمة جسر لا جدار، وأن الصدق نجاة لا خسارة.
العقول في الليل أمام مفترقين لا ثالث لهما: إما أن تنهار تحت وطأة الحقيقة، وإما أن تُعاد بناؤها بحجارة جديدة من الوعي. والنفوس كذلك: إما أن تستسلم للفراغ وتصبح صدى، وإما أن تملأ ذلك الفراغ بمعنى جديد تختاره هي لا يفرضه عليها أحد.
ولهذا يهرب بعض الناس من الليل إلى الشاشات، ويهرب بعضهم إلى النوم، ويهرب بعضهم إلى الضجيج. ولكن هناك قلة، قلة شجاعة، تجلس. تواجه ظلها. تواجه سؤالها. تمسك قلماً وتكتب جملة، ثم جملة أخرى، حتى يولد الصباح من داخلها قبل أن يولد في السماء.
وفي حضرة الليل نكتشف حقيقتين لا يمكن للنهار أن يمنحنا إياهما: الأولى أننا متشابهون في جروحنا، مهما اختلفت أسماؤنا وأشكالنا. والثانية أن الشفاء لا يبدأ إلا حين نعترف بالجرح.
الليل لا يمنحنا إجابات جاهزة، لأن الإجابات الجاهزة هي من صناعة النهار. الليل يمنحنا شيئاً أثمن: شجاعة السؤال. ومن امتلك شجاعة السؤال، سيجد يوماً شجاعة العيش.
فلا تخف من الليل. لا تهرب منه. ادخل حضرته كما تدخل معبداً. اخلع قناعاً واحداً كل ليلة. قل "لا" حين يجب أن تُقال. وابكِ إن أردت أن تبكي. واضْحك إن أردت أن تضحك بلا سبب.
فخلف كل ليل صادق جلس فيه الإنسان مع نفسه... يولد إنسان أصدق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق