مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الاثنين، 10 أغسطس 2026

هَجِيعُ الرَّاحِلَاتِ بقلم فؤاد زاديكي

هَجِيعُ الرَّاحِلَاتِ

(٢)
بقلم: الشاعر والباحث فؤاد زاديكي

تَجْلِسُ الرُّوحُ عَلَى عَتَبَةِ الصَّمْتِ كَلِيمَةً، تَرْقُبُ أَقْطَارَ الفَضَاءِ، الَّذي يَبْدُو عَرِيضًا وَلكِنَّهُ ضَيِّقٌ بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ رُؤًى. فِي هَذِهِ اللَّيَالِي، الَّتِي يَمْتَدُّ فِيهَا الظَّلاَمُ كَبَحْرٍ لاَ قَاعَ لَهُ، تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ الخَفِيَّةُ، رِحْلَةٌ لاَ تَطَأُ فِيهَا الأَقْدَامُ تُرَابًا، وَلاَ تَرْتَسِمُ عَلَى الأَرْضِ لَهَا خُطُواتٌ، بَلْ هِيَ هِجْرَةٌ صَامِتَةٌ تَنْسَلُّ مِنْ أَعْمَاقِ المُخَيِّلَةِ، لِتَطْوِيَ صَفَحَاتٍ كَانَتْ بالأَمْسِ نَبْضَ الحَيَاةِ وَعِمَادَ الوُجُودِ.
تَتَسَارَعُ أطْيَافُ الذِّكْرَيَاتِ، تِلْكَ الَّتِي حَرَثَتْ فِي وِجْدَانِنَا نُدُوبًا وَزُهُورًا، تَلْتَقِطُ أَمْتِعَتَهَا الرَّقِيقَةَ مِنْ خُيُوطِ الأَمَلِ وَفُلُولِ الأَسَى، ثُمَّ تَمْضِي فِي مَوْكِبٍ جَنَائِزِيٍّ بَهِيٍّ، تَبْتَعِدُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا عَنْ مَرَافِئِ الذَّاكِرَةِ. لِمَاذَا تَرْحَلُ؟ أَلأَنَّ المَكَانَ لَمْ يَعُدْ يَتَّسِعُ لِكُلِّ هَذَا الثِّقَلِ الُّروحيّ؟ أمْ أنَّ الزَّمَنَ، فِي جَبَرُوتِهِ، يَسْتَلُّ مِنْ ذَوَاتِنَا قَبَسَ المَاضِي لِيَتْرُكَنَا حَصَادَ رِيَاحٍ خَاوِيَةٍ؟
كَمْ هُوَ شَجِيٌّ ذَلِكَ اللَّحْظُ، الَّذِي تُدْرِكُ فِيهِ أنَّ الوجُوهَ، الَّتِي كَانَتْ تُضِيءُ لَيْلَكَ بَدَأَتْ مَلاَمِحُهَا تَتَلاَشَى، كَأَنَّهَا رَسْمٌ عَلَى مَاءِ الغَدِيرِ تُبَدِّدُهُ قَطْرَةُ مَطَرٍ عَابِرَةٍ! حَتَّى الأَصْوَاتُ، الَّتِي كَانَتْ تُمُوسِقُ الحَنِينَ فِي أعماقِها المَكنُونَةِ، وخَفَاياهَا السّاتِرَةِ لِلشُّعُورِ، أصْبَحَتْ هَمْسًا بَعِيدًا يَتَهَادَى فِي أَنَفَاقِ النِّسْيَانِ، لاَ يَكُادُ يَبْلُغُ المَسْمَعَ حَتَّى يَذُوبَ فِي أُفُقٍ أَنِيفٍ. إنَّهَا هِجْرَةُ المَعَانِي عَنْ جُسُومِهَا، وَارْتِحَالُ الشُّعُورِ عَنْ مَوَاطِنِهِ الأُولَى.
تَتَزَاحَمُ الرُّؤَى فِي مَخْيلَتِي كَطُيُورٍ جَارِحَةٍ تُغَادِرُ أَعْشَاشَهَا مَعَ إِشْرَاقَةِ الخَرِيفِ، تَتَسَاقَطُ هِبَاتُ المَاضِي شَيْئًا فَشَيْئًا. عِتَابٌ قَدِيمٌ كَانَ يُؤَرِّقُ المَضْجَعَ، وَابْتِسَامَةٌ كَانَتْ تُبْلِسُ الحُزْنَ، وَمَوَاعِيدُ زَاهِيَةٌ غَابَتْ شَمْسُهَا فِي عَتْمَةِ الأَمْسِ. تَرْحَلُ جَمِيعُهَا لاَ لِتَسْتَقِرَّ فِي مَكَانٍ آخَرَ، بَلْ لِتَذُوبَ فِي الأَثِيرِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ يَوْمًا شُهُودًا عَلَى رِحْلَتِنَا هَذِهِ.
وَمَعَ كُلِّ طَيْفٍ يَمْضِي، تَتَّسِعُ الفَجْوَةُ فِي دَاخِلِ الصَّدْرِ، ويَغْدُو القَلْبُ مِثْلَ هَيْكَلٍ أَهْرَمَتْهُ العُصُورُ، تَهُبُّ عَلَيْهِ رِيَاحُ الصَّمْتِ فَتُعْزَفُ فِيهِ أَلْحَانُ الوَحْدَةِ. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الهِجْرَةَ، عَلَى شَجَنِهَا، لَيْسَتْ سِوَى سُنَّةِ الوُجُودِ الأَزَلِيَّةِ، فَالوَعْيُ لاَ يَكْتَمِلُ إلاَّ حِينَ يَتَخَفَّفُ مِنْ ثِقَلِ المَاضِي، وَالرُّوحُ لاَ تُحَلِّقُ عَالِيًا إنْ ظَلَّتْ مَكْبُولَةً بِأَغْلاَلِ الذِّكْرَى.
فَلْتَهْجُرِي إِذَنْ، أَيَّتُهَا الذِّكْرَيَاتُ، وَلْتَمْضِي إِلَى سَدِيمِكِ الأَبَدِيِّ. اتْرُكِي لَنَا هَذَا الفَرَاغَ المُمَجَّدَ، فِيهِ نَسْتَنِشِقُ هَوَاءَ الحَاضِرِ النَّقِيَّ، وَمِنْهُ نَبْنِي مِنْ جَدِيدٍ آَفَاقًا لَمْ تَطَأْهَا قَبْلَنَا خَاطِرَةٌ، ولاَ سَكَنَتْهَا قَطْرَةٌ مِنْ دَمْعٍ أَوْ أَمَلٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق