غَ زَّ ة — 2027
بقلم الشاعر: منداس غريسي/ الجزائر
دخلتِ الحروفُ
قاعةَ كمالِ الأجسام،
وكانتِ المرايا
تتأملُ وجوهَها،
والحديدُ يلمعُ
كأنّهُ برقٌ
في ليلِ غ زّ ة.
قالَ المدرّبُ:
— عامًا كاملًا
وأنتم ترفعونَ الأوزان!
فرفعتِ الألفُ قامتها،
وقالت:
أنا الاستقامةُ
حين تنحني الدنيا.
وضمّتِ الباءُ عضلاتِها،
وقالت:
أنا بدايةُ الباب،
ومن أبوابي
يدخلُ النور.
وتقدّمتِ التاءُ
بصدرٍ عريض:
أنا التحدّي،
لا تكسرني
يدُ الحصار.
ولوّحتِ الثاءُ
بثلاثةِ أصابعَ
كأنّها ثلاثُ رايات:
أنا صوتُ الكثرة،
وحين تجتمعُ الحروفُ
يصيرُ الصوتُ
قصيدة.
ثم استعرضتِ الجيمُ
قوتَها،
وقالت:
في جوفي
جمرٌ لا ينطفئ.
ورفعَتِ الحاءُ الحديدَ
فاهتزّتِ القاعة:
أنا حُرّةٌ،
والحُرّيةُ
لا تُدرَّبُ على الركوع.
وتقدّمتِ الخاءُ
بعينٍ تلمع:
أنا خَطرٌ
على كلِّ ظالم.
أما الدالُ
فوقفَتْ ثابتةً
كعمودِ بيت:
أنا الدار،
ولو تهدّمتِ الجدران
تبقى الدارُ
في القلب.
ورفعَتِ الذالُ
رأسَها:
أنا ذِكرى
لا تموت.
وقالتِ الراءُ
وهي تستعرضُ عضلاتِها:
أنا الرعدُ
إذا غضبَ الصمت.
ثم تقدّمتِ الزايُ
خفيفةً كالسهم:
أنا الزحفُ
نحوَ الفجر.
وأمسكتِ السينُ
بالحبلِ الحديدي،
وسحبتهُ
حتى صرخَ الحديد:
أنا سِرُّ الصمود.
وقالتِ الشينُ:
لي ثلاثُ شُعَبٍ،
لكنّ قلبي
شجرةٌ واحدة.
أما الصادُ
فنفخت صدرَها:
أنا صَبرٌ
تعلّمَ من الحجارة
كيف لا ينكسر.
وقالتِ الضادُ
بفخر:
أنا حرفُكم،
وحين أنطقُ
تعرفونَ
أنّ العربيةَ
ما زالت حيّة.
وتقدّمتِ الطاءُ
كالسيف:
أنا طاقةُ الأرض
حين تستيقظ.
ورفعتِ الظاءُ
ذراعَها:
أنا ظِلُّ الحق،
والظلُّ لا يُرى
إلا لأنّ وراءهُ
نورًا.
ثم جاءتِ العينُ
بعينينِ واسعتين:
أنا عينُ الحقيقة،
أرى ما يحاولُ العالمُ
أن يعميه.
وقالتِ الغينُ:
أنا غيمةٌ
تحملُ المطر
فوقَ أرضٍ
تنتظرُ الربيع.
وتقدّمتِ الفاءُ
كأنّها سهم:
أنا فجرُ الفكرة
حين تولدُ
من رحمِ العتمة.
وقالتِ القافُ
وهي ترفعُ أثقلَ الأوزان:
أنا قوّةٌ،
لكنّ قوّتي
ليست في الحديد؛
إنّها في الحق.
ثم وقفتِ الكافُ
بثبات:
أنا كرامةٌ
لا تُشترى
ولا تُباع.
وتقدّمتِ اللامُ
ممشوقةً كالنخلة:
أنا لسانُ الأرض
إذا تحدّثت.
وقالتِ الميمُ
وهي تضمُّ قبضتها:
أنا مَنارةٌ،
ومَجدٌ،
ومَحبةٌ،
وموعدٌ
مع النصر.
ثم رفعتِ النونُ
ذراعيها:
أنا نبضٌ
لا يهدأ،
ونهرٌ
لا يجف.
وقالتِ الهاءُ
بصوتٍ هادئ:
أنا هواءُ الحرية،
إذا دخلَ الصدر
خرجَ الخوف.
وتقدّمتِ الواوُ
تصلُ ما انقطع:
أنا الوصلُ
بينَ الحرفِ
والحرف،
وبينَ الأرضِ
والسماء.
وقالتِ الياءُ
وهي آخرُ الصف:
أنا اليقينُ
حين تتعبُ
كلُّ الاحتمالات.
سادَ الصمتُ.
نظرَ المدرّبُ
إلى الحروفِ الثمانيةِ والعشرين،
ثم قال:
— والآن…
ماذا صنعتُم
بعد عامٍ كامل
من التدريب؟
تقدّمَ الألفُ،
ثم الباءُ،
ثم التاء…
اقتربتِ الحروفُ
من بعضها.
لم تعدْ
ألفًا وباءً وتاءً،
ولا جيمًا وحاءً وخاءً،
ولا راءً وصادًا وضادًا…
صارتْ
يدًا واحدة.
كتفًا واحدة.
قلبًا واحدًا.
ورفعتِ الحروفُ
لوحةَ التخرّج
فوقَ رؤوسِها.
لم تكن عليها
كلمةُ عضلة،
ولا كلمةُ حديد،
ولا كلمةُ حصار.
كان عليها
معنى واحد:
ف ل س ط ي ن.
ثم ارتفعتِ الأصواتُ
من قاعةِ كمالِ الأجسام
في غ زّ ة،
حتى سمعها البحر،
والزيتون،
والحجارة،
والشهداء،
والأطفالُ الذين
يكتبونَ أسماءَهم
على جدرانِ الغد:
النصرُ لفلسطين.
وفي تلك اللحظة…
لم تعدِ الحروفُ
حروفًا.
صارتْ
وطنًا.
وصارَ القلمُ
بندقيةَ المعنى،
وصارتِ الكلمةُ
عضلةَ الحق،
وصارَ الحبرُ
رايةً
لا تسقط.
وفي آخرِ الاستعراض،
رفعَتْ جميعُ الحروفِ
أيديَها إلى السماء،
وقالت:
تدرّبنا عامًا
لنرفعَ الكلمة،
وتخرّجنا اليوم
لنرفعَ ف ل س ط ي ن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق