مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

بعض الكتب لا تُقرأ بقلم طواهري امحمد

*بعض الكتب لا تُقرأ* 📖

كلُّنا كتب مغلقة.  
نمشي في شوارع الحياة بأغلفة مختلفة، بعضها فاخر يلمع، وبعضها مهترئ أكلته الأيام، وبعضها بسيط لا يلفت النظر.  
ونظن أن الناس سيرون ما بداخلنا، فيمدون أيديهم ويفتحوننا صفحة صفحة، فيكتشفون العوالم التي نحملها.

لكن الحقيقة أقسى:  
الأغلبية تحكم من الغلاف.  
يرون اللون، يرون العنوان، يرون حجم الكتاب، ثم يضعوننا على الرف.  
"هذا ممل" .. "هذا صاخب" .. "هذا قديم" .. "هذا لا يليق بي"  
دون أن يعرفوا أن داخل هذا الغلاف الباهت بحراً من الحكمة، وداخل هذا الغلاف الصاخب وجعاً صامتاً، وداخل هذا الغلاف القديم حكاية لو قُرئت لبكت لها رفوف المكتبات وكتب الأحزان .

في أعماقنا مكتبات كاملة.  
في قلبي فصل عن الفقد لم يُكتب، وفي روحك باب عن الحلم لم يُفتح، وفي صمت ذاك الرجل المار في الطريق رواية عن صبر لو سمعتها لركعت.  
نحمل فرحاً مبعثراً بين السطور، وألماً محشوراً بين الهوامش، وأفكاراً شكّلتها الأيام كما يشكل النحات الحجر.  
تجارب تركت ندوبها في أرواحنا، وانتصارات صغيرة لا يعرفها أحد، وهزائم كبرى ابتلعناها وابتسمنا.

ومع ذلك... يحكمون.  
يحكمون من العنوان، من الخط، من لون الغلاف.  
ولا أحد يسأل: ماذا لو فتحت الصفحة الأولى؟  
ماذا لو قرأت سطراً واحداً بإنصات؟  
لربما شدّك الحرف فتاهت قدمك بين الفقرات، ولربما وجدت في سطري إجابة لسؤالك الذي أرّقك سنين.

العاقل لا يقرأ الوجوه، يقرأ ما خلف الوجوه.  
لأنه يعلم أن خلف كل وجه حكاية، وخلف كل صمت ألف كلمة، وخلف كل قلب عالماً كاملاً لا يُرى بالعين.  
الإنسان ليس ما يظهره، الإنسان هو ما يخفيه ويقاومه كل يوم كي لا يظهر.

انظر إلى الكتب العظيمة في التاريخ.  
ألم تكن أغلبها بلا صور؟ بلا ألوان؟ بلا دعاية؟  
لكن من قرأها سكنت كلماتها قلبه، وغيرت مصير أمة.  
كذلك البشر. أجملهم ليس من يملك أجمل مظهر، وأصدقهم ليس من يملك أعلى صوت.  
أجملهم من إذا قرأته بكيت وضحكت ونهضت.  
وأصدقهم من إذا اقتربت منه اكتشفت أنه كان يقاتل وحده من أجلك.

لذلك... لا تكن قارئاً سطحياً.  
لا تقلب الصفحات بعجلة.  
توقف. تنفس. اقرأ ببطء.  
اسأل: ما القصة التي لم تُحك؟ ما الجرح الذي لم يُضمّد؟ ما الحلم الذي مات في الزاوية؟

وحين تقابل أحداً، تذكر:  
أنت لا تقابل جسداً.  
أنت تقابل كتاباً.  
إما أن تفتحه فيصبح صديقك، أو تغلقه فيخسرك العالم.

  
غدا سوف نكون جميعاً على رف النسيان يوماً.  
لكن البعض ستبقى كلماته تُقرأ، لأن أحداً ما تجرأ وفتح الغلاف.  
فكُن أنت ذلك القارئ الشجاع.  
وكُن أنت ذلك الكتاب الذي يستحق أن يُقرأ حتى آخر سطر.

لأن أجمل الكتب ليست تلك التي تملك أجمل الأغلفة...  
بل تلك التي إذا أغلقتها، بقيت مفتوحة في قلبك.

بِقلم الأديب طواهري امحمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق