الفصل الثامن عشر
حين تكبر الدولة... ويبدأ امتحان الحضارة
مقدمة الفصل
حين خرج النور من مكة، لم يكن يحمل خريطةً لحدودٍ جديدة، ولا مشروعًا لملكٍ يزداد اتساعًا، وإنما جاء ليعيد للإنسان مكانه الذي أضاعه بين سلطان القوة، وغرور المال، وضلال الجهل.
ثم مضت الأيام، واتسعت الدولة، وكبرت المدن، وتدفقت الأموال، وتقدمت العلوم، وتعددت وجوه الحضارة.
وهنا بدأ الامتحان الحقيقي.
فليس السؤال: كم امتلكنا من الأرض؟
ولا: كم بلغ سلطاننا؟
ولا: كم امتلأت خزائننا؟
ولا: إلى أي مدى بلغ علمنا؟
بل السؤال الأعمق:
ماذا فعل كل ذلك بالإنسان؟
هل بقيت القوة حارسةً للحق، أم تحولت إلى حقٍّ لنفسها؟
وهل بقي المال أمانةً في يد المجتمع، أم صار وسيلةً لتوزيع النفوذ؟
وهل ظل العلم نورًا يحرر الإنسان، أم أصبح أداةً في يد من يريد إخضاعه؟
وهل بقي الإنسان في قلب الحضارة، أم أصبح مجرد رقمٍ في حساباتها؟
فالحضارة لا تبدأ حين ترتفع الجدران، وإنما حين يرتفع الإنسان.
---
المقطع الأول: حين تكبر الدولة
إذا اتّسعتْ أرضُ البلادِ فإنّما
يُقاسُ اتساعُ الملكِ فيها بأمانِ
فما المجدُ أن تمتدَّ في الأرضِ رايةٌ
ولكنْ بأن يحيا بها كلُّ إنسانِ
وما الملكُ إلا أن تصونَ كرامةً
وأن تجعلَ العدلَ أساسَ البنيانِ
فإنْ كبرتْ أرضُ البلادِ فواجبٌ
عليها رعايةُ ضعيفٍ بأمانِ
وأن تجعلَ السلطانَ عهدًا وأمانةً
وأن تجعلَ الإنصافَ أصلَ الأمانِ
فما قيمةُ الملكِ العظيمِ إذا غدتْ
كرامةُ إنسانٍ رهينةَ هوانِ
وما قيمةُ الأرضِ الفسيحةِ إن غدتْ
على أهلِها سجنًا من الحرمانِ
فعدلُ البلادِ حصانةٌ لا تنالُها
جيوشٌ، ولا يحمي الممالكَ سيفُها
وإنّ اتساعَ الأرضِ ليسَ حضارةً
إذا ضاقَ فيها صدرُ كلِّ إنسانِ
فإنْ تكبرِ الدولةُ فليكبرِ الوفا
وليكبرِ التكليفُ مع كلِّ شانِ
فملكُ البلادِ أمانةٌ في رقابِنا
وصونُ حقوقِ الناسِ أصلُ أمانِ
---
المقطع الثاني: امتحان السلطة
إذا ما علا في الناسِ سلطانُ دولةٍ
فثمَّ امتحانُ النفسِ والإنسانِ
فليسَ الذي يحوي العروشَ بسيّدٍ
إذا لم يصنْ حقَّ الضعيفِ بأمانِ
وما الملكُ إلا عهدُ عدلٍ وأمانةٍ
فإن خانَها أفضى إلى الطغيانِ
وما قوةُ السلطانِ في كثرةِ الجندِ
ولكنْ بضميرٍ صادقٍ وبيانِ
إذا مُلِّكَ الإنسانُ أمرًا فإنّهُ
سيُسألُ يومًا عن حقوقِ رعيّتِهِ
فمن صانَ حقَّ الناسِ صانوا مقامَهُ
وبقيَ لهُ في الناسِ طيبُ أمانِ
ومن جعلَ السلطانَ سيفًا عليهمُ
أقامَ على خوفٍ، وأورثَ أحزانِ
فلا تجعلِ الحكمَ استعلاءَ قادرٍ
ولا تجعلِ الأعناقَ تحتَ هوانِ
فكم دولةٍ شادتْ قصورًا منيعةً
فلم تمنعِ الأيامَ عنها الفناءَ
وكم حاكمٍ أبقى لهُ العدلُ سيرةً
تضيءُ، وإن غابتْ عيونُ المكانِ
فعرشُك إن لم تحرسِ الحقَّ ساعةً
فليسَ سوى ظلٍّ سريعِ زوالِ
وإن أردتَ المجدَ الذي لا زوالَ لهُ
فكنْ للضعيفِ الحافظَ الحقَّ والشانِ
فالملكُ يفنى، والقصورُ إلى الثرى
ويبقى من العدلِ الجميلِ أمانُ
---
المقطع الثالث: حين يصبح المال امتحانًا
إذا فاضَ مالُ القومِ واتّسعتْ لهمْ
خزائنُ ملكٍ، فالمسؤوليةُ أكبرُ
فليسَ الغنى أن تستبدَّ بثروةٍ
ولكنْ بأن تحيا بها الناسُ أيسرُ
وما المالُ إلا نعمةٌ إنْ صُنْتَها
وأدّيتَ حقَّ الناسِ فيها وأبصرُ
فإنْ صارَ غايةَ نفسِهِ دونَ غايةٍ
أضلَّ الفتى، واستعبدتهُ المظاهرُ
وإنْ صارَ في أيدي الكرامِ وسيلةً
لبناءِ حياةٍ، فالخيرُ فيهِ يُثمرُ
فما قيمةُ الذهبِ المكدَّسِ إنْ غدا
فقيرُ البلادِ على الرصيفِ يُكابرُ؟
وما قيمةُ القصرِ المنيفِ إذا غدتْ
كرامةُ إنسانٍ ببابِهِ تُهدرُ؟
ولكنْ إذا صارتْ خزائنُ أمةٍ
جسورًا إلى العلمِ، فالخيرُ يُثمرُ
وإنْ أُنفقتْ في سدِّ جوعِ ضعيفِها
وفي رفعِ شأنِ العاملينَ، تُبشِّرُ
فلا تجعلِ الأموالَ بابَ سيادةٍ
على من لهُ في هذه الأرضِ حقُّهُ
ولا تجعلِ الثروةَ ميزانَ قيمةٍ
فكم معدمٍ عندَ المكارمِ يُذكرُ
فالمالُ عبدٌ حين يخدمُ أمةً
ويصبحُ داءً حين للظلمِ يُسخَّرُ
ومن أرادَ حضارةً لا زوالَ لها
فليجعلِ الإنسانَ أولَ ما يُنظرُ
---
المقطع الرابع: حين يُختبر العلم
إذا أشرقتْ في أفقِ قومٍ علومُهمْ
فقد آنَ للإنسانِ أن يتقدَّما
فبالعلمِ تُبنى في الحياةِ حضارةٌ
ويُفتحُ بعدَ العسرِ بابٌ إلى العُلا
ولكنْ إذا ما العلمُ فارقَ هديَهُ
غدا سيفَ قهرٍ، واستحالَ إلى أذى
وما كلُّ علمٍ نافعٌ في يدِ امرئٍ
إذا لم يكنْ للحقِّ فيهِ لهُ هدى
فكم من معارفَ رفعتْ شأنَ أمةٍ
وكم من علومٍ أورثتْها الردى
إذا حملَ العلماءُ علمًا وأخلاقًا
غدا العلمُ نورًا، واستقامَ بهِ الهدى
وإنْ صارَ علمُ المرءِ بابَ تجبُّرٍ
فقد خانَ معنى العلمِ، مهما تعالى
فالعلمُ لا يكفي بأن يبلغَ السما
إذا لم يُضِئْ قلبَ امرئٍ وهو في العُلا
ولا المجدُ أن نملكْ مفاتيحَ معرفةٍ
ولكنْ بأن نجعلْ معارفَنا هدى
فعلّمْ، ولكنْ لا تجعلِ العلمَ سلعةً
ولا تجعلِ الإنسانَ في العلمِ ضحيةً
فإنَّ العلومَ إذا تجرّدتْ من الهدى
قد تُنشئُ نارًا تهدمُ العمرَ والبنى
وإنْ اجتمعَ العلمُ الشريفُ معَ التقى
تقدّمَ إنسانٌ، وأثمرَ ما بنى
فذاك هو العلمُ الذي يستحقُّ أن
يُسمّى طريقًا للنجاةِ وللعُلا
---
المقطع الخامس: حين يكون الإنسان هو الامتحان
وبعدَ اتساعِ الأرضِ وانفتاحِها
وبعدَ خزائنِها، وبعدَ العلومِ
يعودُ السؤالُ إلى ضميرِ حضارةٍ
ويطرقُ أبوابَ القلوبِ بقوّةِ
أينَ الذي قامتْ حضارتُنا لهُ؟
وأينَ الذي من أجلهِ كانَ البناءُ؟
أينَ الضعيفُ إذا استبدَّ قويُّهمْ؟
ومن للفقيرِ إذا تعاظمَ ذو الغنى؟
وأينَ حقُّ الناسِ حينَ تكونُ في
أيدي الملوكِ مفاتحُ الأرزاقِ؟
ما قيمةُ المدنِ العظامِ إذا غدا
فيها الإنسانُ خائفًا أو مهانَا؟
وما قيمةُ العلمِ الذي بلغَ العلا
إذا كانَ يُستخدمُ لإذلالِنا؟
وما قيمةُ المالِ الكثيرِ إذا غدتْ
بطونُ اليتامى جائعةً في ظلِّنا؟
فالحضارةُ ليستْ حجارةَ صرحِها
ولا ارتفاعَ قصورها في السماءِ
ولكنْ بما تهبُ الحياةَ لأهلِها
من حرمةٍ، وعدالةٍ، ورجاءِ
فالإنسانُ غايةُ كلِّ حضارةٍ
وبه تُقاسُ حضارةُ الأحياءِ
فإنْ صانَتِ الإنسانَ صانَ مقامَها
وإنْ أذلّتْهُ، هانَتْ على التاريخِ
فاجعلْ كرامةَ من يعيشُ بأرضِكَ
ميزانَ حكمِكَ، لا بريقَ القصورِ
فالملكُ دونَ كرامةِ الإنسانِ لا
يبقى، وإنْ كثرتْ لهُ الجندُ والمالُ
إنْ عاشَ حرًّا في بلادهِ آمنًا
فهناكَ يبدأُ مجدُ كلِّ حضارةٍ
وإذا غدا الإنسانُ عبدَ نظامِها
فالحضارةُ استعبدتْ إنسانَها
فاسألْ ضميرَكَ قبلَ أن تسألْ عن
مجدِ البلادِ، وعن عظيمِ بنيانِها
فالإنسانُ إنْ صانتهُ حضارةٌ
صانَ الحضارةَ من يدِ النسيانِ
---
المقطع السادس: حين تواجه الحضارة نفسها
وحينَ يشتدُّ البناءُ وتستوي
أركانُ دولةٍ، ويزدهرُ العمرانُ
يأتي امتحانٌ ليسَ في ساحاتِنا
فيها صليلُ السيفِ أو فرسانُ
ولكنْ إذا صارَ اختلافُ قلوبِنا
بابًا إلى البغضاءِ والحرمانِ
وإذا رأى الإنسانُ في أخيهِ عدوًّا
وضاعَ بينَ الناسِ عهدُ أمانِ
فالحضارةُ لا تُختبرُ في رخائها
بل حينَ تختلفُ العقولُ وتتعانِ
هل نستطيعُ بأن نصونَ اختلافَنا
ونردَّ عن دربِ الحوارِ هوانِ؟
هل نستطيعُ بأن نرى في غيرِنا
إنسانَنا، مهما اختلفنا في الشأنِ؟
فالوحدةُ الكبرى ليستِ التشابهَ في
كلِّ الرؤى، أو محوَ كلِّ بيانِ
لكنْ بأن يتّسعَ الاختلافُ لنا
ويظلَّ يجمعُنا رباطُ أمانِ
فإذا تحوّلَ رأيُنا إلى سلاحٍ
صارَ الحوارُ مقدمةَ العدوانِ
وإذا غدا الحقُّ تابعًا للهوى
بدأتْ حضارتُنا طريقَ هوانِ
إنَّ الحضارةَ تُختبرُ حينَ نختلفُ
لا حينَ نجتمعُ على الرخاءِ وأمانِ
والعدلُ ليسَ شعارَ دولةِ قادرٍ
بل أن يُصانَ الحقُّ في الميدانِ
والحكمُ الرشيدُ هو الذي يرعى الحقوقَ
ويصونُ للإنسانِ حقَّ أمانِ
إنَّ الحضارةَ تبدأُ من قدرةِ الـ
إنسانِ أن يضبطْ هواهُ بميزانِ
فإذا غلبْنا النفسَ عندَ اختلافِنا
بقيَتْ حضارتُنا على بنيانِ
---
المقطع السابع: حين يبدأ المجد في التراجع
ما كانَ سقوطُ الحضاراتِ ضربةً
تهوي بها في لحظةٍ أركانُ
لكنْ إذا دبَّ الفسادُ بأصلِها
فالظاهرُ المزهوُّ منهُ يهانُ
تعلو القصورُ، ويستطيلُ بناؤها
والروحُ في أعماقِها تتهادمُ
وتظلُّ أعلامُ البلادِ مرفرفةً
والخللُ المستورُ فيها يزدادُ
فالمجدُ لا يسقطُ حينَ يجيءُ عدوٌّ
بل حينَ يبيعُ أهلُهُ معناهُ
وحينَ يصبحُ الحقُّ تابعَ هوىً
ويُشترى بالمالِ ميزانُ العدالةِ
وحينَ يُكرَمُ من يُجيدُ مداهنةً
ويُهانُ من نطقَ الحقيقةَ جهرا
وحينَ يُقدَّمُ جاهلٌ في قومِهِ
ويُهمَلُ العقلُ الذي كانَ منارا
هناكَ يبدأُ في البنيانِ تصدُّعٌ
لا تراهُ العينُ، لكنْ يُستبانُ
فإذا استمرَّ الظلمُ في أرجائها
صارَ الخرابُ نتيجةً لا تُدفعُ
وإذا غدا المالُ فوقَ قيمةِ امرئٍ
صارتْ كرامةُ أهلِها تُبتاعُ
وإذا غدا العلمُ بلا أخلاقِهِ
سيفًا على الإنسانِ، ضاعَ الأمانُ
وإذا استحالَ الحكمُ ملكًا دائمًا
نسيَ الحاكمُ أنَّ الملكَ امتحانُ
فاحفظْ حضارتَكَ من الداخلِ، إنما
أخطرُ سقوطِ المجدِ أن ينسى الإنسانُ
واحفظْ عدلَكَ إنْ أردتَ حضارةً
فالعدلُ أصلُ البقاءِ والأركانِ
فالمجدُ إنْ لم تحرسِ القيمَ التي
بُنيَتْ عليهِ، فكلُّ مجدٍ فانِ
---
المقطع الثامن: حين تولد الحضارة من جديد
ولكنْ، وإن مالتْ صروحُ حضارةٍ
فالروحُ لا تفنى معَ البنيانِ
قد يسقطُ الحجرُ الذي شادتهُ يدٌ
وتظلُّ في الإنسانِ بذرةُ عمرانِ
والليلُ مهما طالَ فوقَ سمائنا
لا بدَّ أن يأتي الصباحُ بنورِهِ
فالحضارةُ الكبرى وإنْ هُدِّمتْ لها
أركانُها، تبقى بها المعاني
تبقى المبادئُ إنْ صدقنا حملَها
وتعودُ إنْ وجدتْ لها إنسانِ
فالنهضةُ الكبرى ليستِ الرجوعَ إلى
أيامِنا الأولى، ولا حفظَ الحكايةِ
بل أن نعيدَ إلى الحياةِ جوهرًا
بقيتْ معانيهِ وإن غابتْ مبانيهِ
أن نستفيدَ من الخطايا درسَها
ونصوغَ من آلامِنا إمكانِ
وأن نرى في الأمسِ مرآةً لنا
لا قيدَنا الممتدَّ في الأزمانِ
ومن استوعبَ الماضي وأبصرَ حاضرًا
صنعَ المستقبلَ الذي يليقُ بنا
لا يستعيدُ المجدَ من يطلبْ صدىً
للماضي، ويتركْ واقعَهُ للحرمانِ
فالمجدُ ليسَ قصيدةً نتغنّى بها
بل مسؤوليةُ الأحياءِ في الميدانِ
والنورُ لا يعودُ من صفحاتِنا
إلا إذا صارَ العملُ عنوانَنا
فإذا استعادَ الإنسانُ وعيَ قلبِهِ
بدأتْ حضارتُنا من الإنسانِ
تُبنى الحضارةُ حينَ نصلحُ ذاتَنا
وتقومُ حينَ يقومُ فينا البنيانُ
وإذا نهضَ الإنسانُ من أعماقِهِ
نهضتْ معهُ الأيامُ والأوطانُ
---
المقطع التاسع: من حضارة المكان إلى حضارة الإنسان
لقد اتّسعتْ أرضُنا، واتّسعَ المدى
لكنْ، أَتَسَعَتِ القلوبُ معَ المدى؟
كبرتْ لنا الدولُ العظامُ، فهل غدا
فيها الإنسانُ أعظمَ قدرًا؟
إنَّ اتساعَ الأرضِ ليسَ حضارةً
إنْ ضاقَ فيها صدرُ حرٍّ بالهدى
والقصرُ إنْ علا البناءُ بجدرانِهِ
لا يستحقُّ المجدَ إنْ هُدِمتْ كرامةُ فتى
والمالُ إنْ ملأَ الخزائنَ كلَّها
فمن الحضارةِ أن يصونَ ذوي العدمِ
والعلمُ إنْ بلغَ السماءَ بآلِهِ
فتمامُهُ أن يستنيرَ بهِ الهدى
والحكمُ إنْ قويتْ دعائمُهُ
فتمامُهُ أن يحرسَ الحقَّ لا الهوى
تلكَ الحضارةُ حين تصبحُ دولةً
في خدمةِ الإنسانِ، لا الإنسانُ في خدمتها
فالمجدُ ليسَ بما تركنا من قصورٍ
بل بما تركنا من إنسانِ
فليسَ المطلوبُ أن نعيدَ زمانَنا
بل أن نعيدَ إلى الزمانِ معانيَنا
فابنِ الحضارةَ حيثُ كنتَ، فإنما
تُبنى الحضاراتُ من خطى الإنسانِ
إنْ صلحَ الإنسانُ استقامَ بناؤُنا
وإذا فسدْ، فكلُّ بناءٍ إلى فناءِ
فلا تسألْ عن حضارةٍ كم شادتْ
من الحجارةِ، بل كم رفعتْ إنسانا
ولا تسألْ كم بلغتْ من المدى
واسألْ: كم وسّعتْ في الروحِ ميدانا؟
وهنا فقط يمكنُ للتاريخِ أن
يكتبَ لنا: قد أنجزَ الإنسانُ
---
خاتمة الفصل
خرجَ النورُ من مكةَ، لا ليزيدَ الأرضَ أرضًا، ولا ليجعلَ السلطانَ غايةً، ولا ليملأَ خزائنَ الملوكِ ذهبًا؛ بل خرجَ ليُخرجَ الإنسانَ من ظلمةِ نفسه، ويضعَ في يدهِ ميزانًا يفرّقُ به بين القوةِ والحق، وبين الغنى والأمانة، وبين العلمِ والغرور، وبين الحكمِ والمسؤولية.
ثم اتسعتِ الدولة، وكبرتِ المدن، وتدفقتِ الأموال، وتقدمتِ العلوم، وصارت للحضارةِ وجوهٌ كثيرة.
وهنا بدأ الامتحان.
فليسَ الصعبُ أن تمتلكَ الأرضَ، ولكنَّ الصعبَ أن لا تفقدَ الإنسانَ عليها.
ليس الصعب أن تبني قصرًا، ولكن الصعب أن تبني قلبًا لا يظلم.
وليس الصعب أن تجمع المال، بل أن تجعل المال في خدمة الإنسان.
وليس الصعب أن تبلغ العلم، بل أن تمنع العلم من أن يتحول إلى أداةٍ للعدوان.
وليس الصعب أن تحكم، بل أن تظلَّ عادلًا حين تصبح السلطة بين يديك.
وهكذا يتغير سؤال التاريخ:
لم يعد السؤال: كم اتسعت الدولة؟
بل أصبح:
كم اتسع الإنسان داخلها؟
فالحضارةُ التي لا تحرسُ كرامةَ الإنسان تتحولُ مع الزمنِ إلى شاهدٍ على نفسها.
أما الحضارةُ التي تجعلُ العدلَ أساسًا، والعلمَ نورًا، والمالَ أمانةً، والسلطةَ مسؤوليةً، والاختلافَ بابًا للحوار، فإنها لا تبني دولةً فحسب، بل تبني إنسانًا يستطيعُ أن يحملَ الدولةَ دون أن تحملهُ هي.
وهنا يقفُ التاريخُ أمامنا صامتًا...
ماذا سنفعلُ نحنُ بما عرفناه؟
فالأممُ لا تُبعثُ بتكرارِ أمجادِها، وإنما بفهمِ سننِها.
ولا يعودُ النورُ حين نستدعي صورتَهُ من الماضي، بل حين نحملُ معناهُ في الحاضر.
فالإنسانُ هو البداية، وهو الامتحان، وهو الغاية.
وإذا صلحَ الإنسانُ، استقامَتِ الحضارة.
وإذا استقامتِ الحضارة، صارَ التاريخُ شاهدًا لا على عظمةِ ما بنيناهُ من حجر، بل على عظمةِ ما بنيناهُ في الإنسان.
وهنا تنتهي رحلةُ الحضارةِ في هذا الفصل، لكنَّ رحلةَ الإنسانِ لا تنتهي.
التوقيع الشعري
أنا ابنُ حرفٍ إذا ما لامسَ الألمَ
نبضُ الحنينِ بهِ، وارتدَّ ملتهما
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس
---
تمهيد إلى الفصل التاسع عشر
وهكذا، بعد أن خرجتِ الرسالةُ من موطنها، واتسعتِ الدولة، وتعددتِ ميادينُ القوة، لم يعد التاريخُ يختبرُ قدرةَ الإنسانِ على الفتحِ فحسب، بل بدأ يختبرُ قدرتهُ على حملِ ما فتحهُ.
فقد عرفنا كيف يولدُ المجد، وكيف تكبرُ الدولة، وكيف يمكنُ أن تتسعَ الحضارةُ، وعرفنا كذلك أن لكلِّ اتساعٍ ثمنًا، ولكلِّ قوةٍ مسؤولية، ولكلِّ حضارةٍ لحظةً تُجبرُ فيها على النظرِ إلى مرآتها.
والآن يبقى سؤالٌ لا يملكُ التاريخُ وحدهُ جوابه:
ماذا يحدثُ حين يصبحُ المجدُ موروثًا، والقوةُ عادةً، والسلطةُ حقًّا مكتسبًا، ويبدأ الإنسانُ في نسيانِ السؤالِ الأول الذي من أجلهِ بدأ الطريق؟
هناك، في تلك المسافةِ الدقيقةِ بين المبدأ والممارسة، وبين المجدِ وامتحانِ المجد، تبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من الحكاية...
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق