رَأَيْتُهَا فِي الشَّاشَةِ الصُّغْرَى... فَاتَّسَعَ الكَوْنُ
وَصَارَ قَلْبِي مَدِينَةً، وَالحَنِينُ فِيهَا سُكَّانُ
لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَهَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ الصَّمْتَ يَتَكَلَّمُ
وَلَمْ أَلْمِسْ يَدَهَا، وَلَكِنِّي شَعَرْتُ بِالنُّورِ يَسْرِي فِي بَنَانِي
كَانَتِ الحُرُوفُ بَيْنَنَا جُسُورًا
نَمْشِي عَلَيْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ... وَنَخَافُ أَنْ نَصِلَ
أُحَدِّثُهَا فَتَضْحَكُ النُّقَطُ الثَّلاثُ...
وَأَنْتَظِرُهَا فَيَطُولُ الزَّمَانُ قَدْرَ "جَارِي الكِتَابَة"
أَحْفَظُ تَوَارِيخَ رَسَائِلِهَا كَمَا يُحْفَظُ القُرْآنُ
وَأَعْرِفُ مَزَاجَهَا مِنْ طُولِ الفَاصِلَةِ، وَمِنْ لَوْنِ الإِيمُوجِي
أَحْبَبْتُهَا مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ بَارِدٍ
وَلَكِنَّ الدِّفْءَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السُّطُورِ
يُدْفِئُ غُرْفَتِي، وَيُشْعِلُ فِي العِظَامِ شَتَاءً جَدِيدًا
قَالَتْ لِي مَرَّةً: "كُنْ بِخَيْرٍ"
فَأَصْبَحْتُ بِخَيْرٍ... لِأَنَّهَا قَالَتْهَا
وَمَرِضْتُ يَوْمًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُتَّصِلَةً
فَفَهِمْتُ أَنَّ الغِيَابَ مَرَضٌ، وَالحُضُورَ دَوَاءُ
كَمْ بَنَيْنَا وَطَنًا مِنَ الكَلِمَاتِ
حُدُودُهُ: "مُتَّصِلُ الآن"
وَعَاصِمَتُهُ: "آخِر ظُهُور"
وَنَشِيدُهُ: صَوْتُ الإِشْعَارِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ
أَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ شَاحِنٍ يَنْفَدُ
وَمِنْ شَبَكَةٍ تَضْعُفُ
وَمِنْ عَالَمٍ وَاقِعِيٍّ يَسْرِقُهَا مِنِّي
دُونَ أَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أَقُولَ: "امْكُثِي قَلِيلًا"
يَا مَنْ سَكَنْتِ جَيْبِي وَقَلْبِي مَعًا
يَا مَنْ جَعَلْتِ مِنَ البُعْدِ قُرْبًا، وَمِنَ الصَّمْتِ حَدِيثًا
لَسْتُ أَدْرِي... أَهَذَا عِشْقٌ أَمْ وَهْمٌ مُهَذَّبٌ؟
أَمْ أَنَّ الأَرْوَاحَ تَتَعَارَفُ قَبْلَ الأَجْسَادِ
فَتَلْتَقِي هُنَا... وَتَتَّفِقُ هُنَاكَ؟
إِنْ لَمْ نَلْتَقِ إِلَّا فِي المُحَادَثَةِ
فَلْتَكُنْ مُحَادَثَتُنَا عُمْرًا
وَإِنْ كَانَ نَصِيبُنَا سُطُورًا
فَلْنَكْتُبْ أَجْمَلَ قِصَّةٍ... لَمْ تُطْبَعْ عَلَى وَرَقٍ
فَأَنَا أُحِبُّكِ...
لَا بِعَيْنِي، بَلْ بِصَبْرِي
وَلَا بِيَدِي، بَلْ بِانْتِظَارِي
وَلَا بِفَمِي، بَلْ بِكُلِّ حَرْفٍ
كَتَبْتُهُ وَأَنَا أَرْتَجِفُ... خَوْفًا أَنْ لَا تَقْرَئِيهِ
محمد السيد حبيب
١١/٩/٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق