مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

لِسَانُ الطِّين «٢» بقلم محمد قرموشه

لِسَانُ الطِّين «٢»
***********

الجزء الثاني

انظرْ إلى هذه القصيدة... إنّها شجرةٌ شقّت صدرَ الصمتِ لتنمو.

ها هو جذعُها الضخمُ يتحدّى الريح، يرتفعُ كعمادٍ للكون، ومن هذا الامتدادِ الباذخِ تتفرّعُ الأغصانُ لتطالَ أطرافَ السماء، تتراقصُ أوراقُها مع الضياءِ، وتنعكسُ ظلالُها كأجنحةٍ تحمي التائهين.

هناك، في الأعلى، تتفتحُ البراعمُ خجولةً، وتزهو الأزهارُ في عرسٍ مؤقت، لتأتيَ الثمارُ في النهاية... تلك الثمارُ التي ليست سوى تجسيدٍ لسنواتِ النضال.

لكنْ وا أسفاه على عينٍ ترى الثمرَ وتنسى المخاض!

انحنِ بروحكَ معي نحوَ الأسفل... نحوَ العالمِ الآخر، وطبيعةِ العتمةِ الساحرة. هناك، حيثُ الجذورُ تجيدُ فنَّ الخلودِ في الظلمة، وتمتدُّ شعيراتُها الدقيقةُ الماصّةُ في أعماقِ الطين، تتلقّفُ الرطوبةَ والماءَ من جوفِ التربةِ الشحيح، وتمنحُ الجذعَ سرَّ بقائه.

إنّها شروشُ الحياةِ الخفيّة، ضاربةٌ في عمقِ التاريخ، تمتصُّ العراقةَ والأصالةَ من جوفِ الفناء، وتنزفُ بصمتٍ لتغذّيَ مجداً في الأعلى.

هذا العالمُ السفليُّ هو الروحُ الحقيقيةُ للنص؛ هو العرقُ المالحُ الذي لولاهُ لجفّتِ الأزهارُ، وماتتِ الثمارُ قبلَ ولادتها.

وما بينَ الاثنين، يتلاقى الجمالُ مع الذوق؛ فكما للشجرةِ عصافيرُها، للقصيدةِ قرّاؤها، وكلاهما لا يهبطُ على الجمالِ عابراً، بل يجدُ فيه مأوىً للحياة.

آهٍ من فنِّ التذوّقِ في هذه الرحلةِ الطويلة... إنّها قصةُ الوجودِ وهي تُروى بلسانِ الطينِ والضوء.

رحلةٌ بدأتْ من سكونِ البذرة، وانفجرتْ في عتمةِ الأرضِ جذراً متشعّباً يعصرُ صمتَ الصخور، ويبحثُ عن ماءِ الحياةِ في عريكةِ الثرى النديّ.

وفي كلِّ مشهدٍ ثمّةَ حياةٌ تنبض، وروحٌ تتغذّى على هذا الوجود... حتى غدتِ الشجرةُ أمّاً للكون، وغذاءً للجسدِ والروح، ووطناً للغناء؛ تمنحُ الثمرَ والظلَّ والجمال، وتفتحُ في أغصانِها مأوىً للحياة، وتتركُ للريحِ حكايةَ الخشبِ وما تختزنُهُ من منافعَ وعطاء.

يتبع في الجزء الثالث

*****************

بقلم: محمد قرموشه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق