الاثنين، 2 أغسطس 2021

الصمت الأخير بقلم سامي يعقوب

 الكِتَابَة ُ بِأَبْجَدِيَةٍ ثُنَائِيَةِ التَرقِيْم :


الصَمْتُ الأَخِيْر


تَوْطِئَة : 

قَبلَ مَا يُقَارِبُ الشَهْرَيْنَ يَقِلُ أَو يَزِيْد ، نُشِرَ مَا نَصُّهُ : ( غَمَسْتُ رِيْشَتِي بِِدَوَاةِ أَحْمَاضِيَ الأَمِيْنِيَّةِ و كَتَبْت : غَيْرَ عَيْنَيْكِ لَن أَكْتُبَ إِلَّا الصَمْتَ الأَخِيْر . ) ، و الآنَ صَارَ لِزَامَاً تَصوِيْبَ مَا قِيْلَ سَالِفَاً بِطَرِيْقَةٍ مُغَايِرَةٍ هِيَ الأَجْمَل : ( بَعْدَ كِتََابَةَ الصَمْتِ الأَخِيْر ، لِعَيْنَيْكِ مِن حَرفِيَ الأَكْثَرُ مِنَ 

الكَثِيْر ، عَلَّهُ يُصْبِحُ يَكْفِي ) .


أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَن يُغْلِقَ أَجْفَانَهُ ، عَلَى خِضَمِّ أَفْكَارٍ تَتَلَاطَمُ دَاخِلَ رَأسِهِ المُسَيْطِرِ ، يَجْمَعُ مَا كَانَ و مَا سَيَكُونَ إِعْصَارَاً هَائِجَاً بِأَمْوَاجٍ تَارِيْخِيَّةٍ فِي الغَالِب ، تَعْصِفُ بِجِهَازِهِ العَصَبِيِّ فِي اللَحْظَةِ التِي كَانَ يَعْصِرِ رَأَسَهُ ، كَي يَخْبُو الصُدَاعَ النَاجِمَ عَن صُرَاخِ ( الوَلِيْدِ الثَانِي بنُ يَزِيْد ) ، لَعَلَ الصُدَاعَ يَخْبُو و يَذْهَبَ الوَلِيْدَ لِتَصْرِيْفِ بَعْضِ شُؤُونِ الأُمَّة ، كُلُّ مَا يَبْغِيْهِ أَن تَخْبُو نَوبَةُ الصُدَاعِ ، كَي يَبْزُغَ فَجْرَ البَحْرِ البَسِيْطِ أَو المُتَدَارَك فَلَيْسُ هُنَالِكَ ثَمَّةَ فَرقٌ ، حَتَى لَو انْتَصَبَ الكَامِلُ فَجْأَةً فِي قِمَّةِ هَذَا الضَيَاع ، قَالَ : هَل أَنَّ ( الخَلِيْلَ ) هُو مَنْ وَضَعَ قَوَانِيْنَهُ لِلشِعْرِ الرَعَوِي ، ثُمَ غَرِقَ فِي تَصْرِيْفِ ( تَكَوْرُنْ ) إِن كَانَ جَذْرُهُ رُبَاعِيَّاً ، قَبْلَ حُدُوثِ أَيَّةِ طَفْرَةٍ يَكُوْنُ مُضَارِعُنَا جَمِيْعَاً ( تَكَوْرَنَ - المُكَوْرَنُ الغَافِلُ مِنَ المُكَوْرِنُ المَجْهُول ) .


اسْتَمْسَكَ بِالقَلِيْلِ الذِي مَا زَالَ يُخْبِرُهُ بِأَن هَذا كُلُّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الطُوفَان ، و هُوَ يَلْتَحِفَ شَمْسَ ذَلِكَ الشِتَاءَ بِصَبْرٍ و قُوَةٍ ، كَأَنَّهُ ( سِيْزِيْفَ ) يَعِيْشُ عَذَابَهُ الأَبَدِي ، عِنْدَهَا رَأَى شَرِيْطَ مَا حَدَثَ بِعَيْنَيْهِ المُغْمَضَتِيْنِ ، يَنْتَقِلُ مِن ( فِرْجِيْليُوس ) إِلى ( أَبي العَلاءِ المَعَري ) ، ثُمَّ إِلى ( دَانْتِي ) و مِن ثَمَّ إِلَيْهِ هُنَاك ، عَلَّهُ يَسْتَطِيْعُ فَتْحَ تَارِيْخِ الحَضَارَات لِتَنْهَمِرَ دَمْغَةً عَلَى الذِي سُأِلَ عَنهُ - مَنْ خَرَجَ لِتَوِهِ مِنْ غَفْلَةِ الوَقْتِ يَعْتَمِرُ تَاجَهُ المَلَكِي - ، قَائِلَاً : مَن ذَاكَ الذِي يَقِفُ عَلَى نَاصِيَّةِ كَوَابِيْسِنَا !؟ ، أَجَابَ صَاحِبُ فُضُولٍ وِرَاثِيٍّ : هَذَا قَاتِلُ الرَبِيْعِ أَخْرَجُوهُ مِنَ الرِوَايَّةِ قَبْلَ الطُوفَان ، لَكِن لِمَا فَعَلَ مَا تَقُولُ !؟ ؛ حُجَتُهُ أَنَّ وَرْدَةَ أَدْمَعَت عَلَى يَدِهِ فَأَوجَعَتِ الوَرِيْد .


هُنَا عَلَا الضَيَاعُ قَلِيْلَاً كَأَنَّهُ يِنَاغِمُ الشَمْسَ فِي ارْتِفَاعِهَا عِنْدَمَا كَانَت تَزْحَلُ مُبْتَعِدَةً عَنِ الضُحَى ، و قَد أَخَذَ الزَمَن خُطْوَةً احْتِرَازِيَّةً قَبْلَ أَن يَتَقَدَمَ أَكثَرَ مِن خُطْوَتِيْن ، هَمْهَمَ بِدُوْنِ صَوْتٍ و مَضَى يَبْحَثُ عَنْ حَبْلِ فِكْرَةٍ تَجُرُهُ نَحْوَ الأَمَلِ فِي المِضِيِّ قُدُمَاً ، إِلى مَا ظَنَّهُ المُسْتَحِيْل ، مُحَالٌ عَلَيْهِ القَبْضَ عَلَى قَلَمِهِ ، كَمَا أَنَّهُ سَأَلَ شَوْقَاً لِلكِتَابَةِ عَلَى الوَرَق ، فَوَجَدَ نِصْفَهُ قَد بَلَلتْهُ دُمُوعُ الخَطِيْئَةِ و النِصْفُ الآخَرَ احْتَرَقَ فِي هِيْليُوم نِيْفَادَا .


و هُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ نَادَاهُ أَحَدُ العَابِِرِيْنَ إِلى مَجْهُولٍ ، قَائِلَاً : مَتَى سَتَكْتُبُ رِوَايَةَ ( طَرِيْقِ الجَحِيْمِ ) ، أَجَابَهُ قَبْلَ أَن يَسْأَلَهُ مَدْهُوشَاً عَمَّن يَكُونُ ؛ بَعْدَ أَن أُنْهِي رِوَايَةَ ( السَطْر الأَخِيْر ) ، ابْتَسَمَ يَقُولُ : أَعْرِفُكَ فِي حُلُمٍ قَدِيْم ، وَقْتَ كُنْتَ فِي طَرِيْقِ مُغَادَرَةِ دَرْبِ التَبَانَة ، بِمِعْطَفِكَ الرَثُ و عُلْبَةُ السَجَائِر التِي مَا انْفَكَت تُأَنِبُكَ عَلَى إِبَادَة ِ سُكَانِ الأَرضِ الجَدِيْدَة ، و إِن إِلتَقَيْنَا ثَانِيَّة أَنْصَحُكَ بِأَن لا تَعْرِفَنِي و تابَعَ و هُوَ يَضْحَكُ سَاخِرَاً : وَقْتَذَاكَ كَانَ ( ستِفِن هُوكِينغ ) قَد انْسَحَبَ مِنَ الرِحْلَةِ عَلَى بُعْدِ إِشَارَةٍ بَيْنَ خَلِيَتَيْنِ عَصَبِيَّتَيْن ، لَمَّا صَرَخْتَ بِسِيْجَارَتِكَ المُشتَعِلَةِ مِن جَاذِبِيَّةِ الثُقْبِ الأَسْوَدِ الذِي يَدُورُ مُتَسَارِعَاً حَوْلَ الغُدَةِ الصَنَوبَرِيَّة ، و بِهِسْتِيْرِيَّةٍ قُلْتَ َ : كُنْتُ هُنَاكَ قَبْلَهُم بِآلَافِ السِنِيْنِ و لَم أَفْعَلُ هَذَا ، سَلِيْهِم لَقَد وَجَدُوا رُفَاتِي هُنَاكَ بِالقُرْبِ مِن نَقْشِ ( بَارِيْبَا ) .


اسْتَبْشَرَ خَيْرَاً عِنْدَمَا نَادَتْهُ نَوبَةُ سِكُوْنٍ مُفَاجِئَة ، سَائِلَةً إِيَّاه : هَل حَضَرَ يَهُوذَا مَائِدَةَ العَشَاءِ الأَخْيْرِ قَبْلَ سُوَيْعَاتٍ مِن خِيَانَتِهِ لِنَفْسِه ، و هَل كَانَ ( يُوليُوس قَيْصَر ) مُصَابَاً بِالتِهَابِِ الكَبِِدِ الوَبَائِي لَمَّا تَزَوَجَ مِن ( كِليُوبِترَا ) أَو أَنَّ التَارِيْخَ رُبَّمَا هُوَ لَم يَكُن كَذَلِك .


أَصَابَتْهُ الدَهْشَةَ التَى فَقَدَ مُنْذُ الكَثِيْرِ مِنَ السِنِيْن ، عِنْدَمَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَجْأَةً و رَاحَ يَتَمَشَى فِي المَمَرِ الذِي يَنْتَهِي حَيْثُ يُفَاجِئُهُ التَعَبُ ثَانِيَةً ، لِيُجْبِرَهُ الرُجُوعَ إِلَى مِقْعَدِهِ الصَامِتِ القَابِعِ فِي ثَنَايَا رُوحِهِ المُنْهَكَة ، و المُتَعَطِشَة لِفَهْمِ مَا يَجْرِي هُنَاكَ فِي عَالَمِهِ الدَاخِلِيِّ ، يَشْعُرُهُ شَاخَ بَاكِرَاً قَبْلَ شُرُوْقٍ مُرَاهِقٍ لِشَمْسِ أَرْبِعَاءَ أَيُوبَ ، بَعْدَ أَن جَفَت كُلَّ يَنَابِيْعِ الرُوحِ و سَنَابِلِهَا ، و خَارِجَاً العَالَمُ الذِي يَتَمَسْرَحُ بِِالفَوضَى السَاخِرَةِ دُوْنَ خَشَبَةٍ مُدَوْكَرَةٍ و لَا شُخُوصٍ و الكَثِيْرُ مِنَ المَشَاهِدِيْنَ المُرْغَمِيْنَ عَلَى شَغَفِ المُتَابَعَةِ والمُشَارَكَةِ كَأَبْطَالٍ و مُسْتَشْرِفِيْنُ تَفَاصِيْل الغَدِ بِحَمَاسِ المُتَيَقِنِ .


و مَا كَانَت إِلَّا مُدَةً لَيْسَت إِلّا بِالطَويْلَةٍ جِدَاً ، و كَمَا لَم يَتَوَقَعُ أَبَدَاً ، أَنْهَكَهُ التَعَبُ بَعْدَ أَقَلِ مِن خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الارْتِبَاك ، فَعَادَ يَرْتَمِي فِي أَحْضَانِ سَرِيْرِ الصُدَاعِ فِي مِقْعَدِ صَمْتِهِ الذِي يَشُوبُهُ قَلِيْلٌ مِن وَعْي ، قَطْعَاً لَم يُخْبِر أَحَدَاً بِمَا دَارَ فِي خَلَدِهِ ، حَيْثُ لَم يَبْنِي جُمْلَةً تُقَالُ ، فَأَوْمَأَ بِجَفْنَيْهِ الرَاعِشَتَيْنِ لِأَيِّ شَيءٍ ؛ و مَا مِن

شَيءٍ ، بِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى الحَدِيْثِ عَن أَيِّ شَيء ، و غَطَّ ثَانِيَةً و لَكِن فِي صَمْتٍ أَخِيْر .


April,9,2021


سامي يعقوب .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أنت ترى بقلم عبدالسلام عبدالمنعم احمد

................أنت ترى.................. أنت ترى لكنك بالوجد ما ادراك....... أنت تحب بأن ترى مأسات من يهواك ....... لو ان حزنك مثل حزني في ...