سوق السعادة والسلعة الكاسدة ..
شددت الرحال إلى أرض الله الشاسعة أبحث عن سوق السعادة ..
ولما وصلت عند أول مدينة عربية سألت عنها فأجابوني : لا تتعب
نفسك سيدي غير موجودة عندنا . ولم أيأس وأخذت راحلتي ورحت
أطوف في بلداننا العربية لعلي أظفر بضالتي ولكن هدني السير فكانت
الإجابات محطمة لكل العزائم .
وتساءلت مع أني أطالع كل يوم ما يدور من أحداث . فما دخل الطيبة
في تغير طبائع الناس ؟
إحداهن صادفتها فقالت : سيدي لك كل الحق فيما تقول ، الطيبة مزروعة في
قلوب القانعين الراضين بقضاء الله ، وللأسف الكثير لا يقنع بعطاء
الله ولا يشكره ولذلك تشاهد وترى أحوال هؤلاء كيف أصبحت ما هي
عليه الآن : شحناء ، بغضاء ، حزن وكآبة لأنها لم تعمل بقول رب الأرض
والسماء : لئن شكرتم لأزيدنكم .. لقد قل الشكر في بلداننا حتى عم القحط
والغلاء والعناء والفحشاء .. بربك كيف تتنزل الرحمات في أنفس خبيثة
حسودة وحقودة ، تحسدك حتى على نعمة الصحة .
لذلك سيدي لا تتعب نفسك في إيجاد سوق السعادة .. قلت لها : ليتني أجد
ما أبحث عنه لأشتريه بأي ثمن .. ثم سكتت .. وإذا بها تفاجئني بإجابتها
وكأني بها قرأت ما على ملامحي ونظرت لي بعمق وفراسة .. ثم تنهدت
وقالت : نعم أحس بحسرتك لأنك تبحث عن الطيبة في زمن كثرت فيه
الغيبة ، وتبحث عن الصدق في زمن كثر فيه الكذب ، وتبحث عن الرضى
والقناعة في زمن كثر فيه السخط والكفر بنعم الله ..
لذلك أعيدها وأكرر ، لا تتعب نفسك عن ظالتك في زمن المتناقضات ولك
بعض الأمثلة لتقتنع بكلامي ..
قالت :ألم تلاحظ معي أنهم في البداية طيبون متحمسون لصداقتك وسرعان ما
يذوبون ، ولما تصادف أحدهم يقول لك ظروف - ورب عذر أقبح من ذنب -
كما أن هناك أصناف أخرى من البشر تجعلك تكره الحياة ، تحسدك عن
البروز والظهور على الساحة الأدبية لا لشيء سوى أنها مريضة بالحقد
والعياذ بالله .. وأخرى تتعلق بها في البداية فتعطيك الكلام المعسول وتصفق
لك طويلا وتصر أن تستدعيك لتظاهرات وملتقيات ثقافية وسرعان ما تفاجأ
بذوبانها ولم تعد لها آثارا ولا طيفا فتترك في نفسك جرحا وحسرة وندامة ..
فتعود إلى نفسك لتجلس إليها وتقول : أنا لم أتربى على هذا ، تربيت على حب
الناس على حد سواء دون تمييز، وعلى الشهامة والكرامة وعلى الصدق وعدم
الخيانة . لذلك عندما تفرط في مثل هذه الصفات ستعيش زمن المكر والبهتان
ولن تعود هناك أمانة ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق