الاثنين، 22 نوفمبر 2021

التنمية المستدامة الجزء 2 من حلقة 15 والأخير بقلم رماز الأعرج

تحية عطرة مفعمة بالأمل والتقدم نحو الأهداف السامية 
(التنمية المستدامة , جذور إشكاليات وحلول) 
رماز الأعرج ,, (*سديم*) المركز الدولي للدراسات الفلسفية والإنسانية) ) 
(الجزء الثاني و الأخير من المحاضرة 15 ) 
هنا سنورد قضية حساسة وهامة للغاية وعلينا مراقبة تطورها أثناء الدراسة والمسير, كيف تتطور الأشياء في مسيرتها وتتغير وتتمظهر بأشكال جديدة , تدريجياً حتى الوصول إلى خصخصة كل شيء بما في ذلك العقل البشري وجميع منتجاته المادية والذهنية أيضاً.
لم يخطر ببال أحد يوماً أن الجيوش والأمن ستصبح تجارة بحد ذاتها, ولم يكن الظهور الأول للجيوش سوى بعد تشكل النظام الاجتماعي وتشكل مفهوم الملكية الاجتماعية بحد ذاتها, بل وظهور نظام اقتصادي و اجتماعي وسياسي متطور, ولم تظهر الجيوش إلا لحاجة ما مجتمعية وظرفية معينة, والجيوش لحماية المصالح لاقتصادية والحفاظ على النظام السياسي بالأساس, وهي بحد ذاتها تكلفة كبيرة وعبئ خيالي الكلفة على الدولة والبلاد, ولكن مبررات وجوده أقوى من أن يفكر النظام السياسي التخلي عنه , فهو الأداة و وسيلة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية و تحقيق الإرادة السياسية للطبقات المالكة والحاكمة , وبذلك فهي بحاجة ماسة له دوماً, من أجل الأمن الخارجي والداخلي, ما دام العالم تحكمه توازنات القوة والردع , ولا تحكمه قوانين أو أخلاق وأعراف , ومن لا يمتلك إمكانية الردع والرد على أي اعتداء يعتدا عليه حتماً, هذه هي القاعدة الأساس الضابطة للعلاقة بين الشعوب والدول حول العالم .
إنه العالم المعاصر المتمدن المتحضر المحتضر الأخلاق والإنسانية , حيث نضن أن المجتمع القديم كان يعاني من غياب المفاهيم الإنسانية ويعيش قوانين بدائية متخلفة , ولكن اليوم ليس الإشكالية في تخلف القوانين بل الإشكالية في غياب القوانين والضوابط , وإن وجدت فلا علاقة لها بالإنسان , بل هي قوانين ربح وتجارة بغض النظر عن الإنسان وكل ما له علاقة بإنسانيته, أو بالحياة أو الطبيعة , إنه قانون أعمى مدمر لا يرى سوى ذاته نظام الربح الدائر بلا قاعدة مادية ولا مستحق, ولا ضوابط من أي نوع .
وفي أواخر القرن الماضي ومع تطور مصالح النظام الإمبريالي العالمي ومصالحه, دفعت الإمبراطورية الأمريكية بعدد كبير من قواتها إلى الشرق الأوسط , إضافة إلى الأعداد السابقة الموجودة أصلاً بأجر في منطقة الخليج , وإضافة إلى الاستحواذ على النفط فهي تتقاضى أجراً, مقابل الحماية , أي أنها قوات مرتزقة تعمل بأجر, لقد كان عمل الحروب بأجر عمل مكروه و لا يسلكه سوى العصابات والميلشيات المتنوعة في الأفكار والأهداف , و لم يكن يوماً من ضمن أخلاقيات الدول .
ولكن اليوم وضمن المنظومة الأخلاقية العالمية الجديدة أصبح هذا الأمر شائع  ودارج , بل هناك شركات خاصة أمنية , عسكرية أو استخباراتية , أو أمن مطارات أو أي اختصاص أمني أو بوليسي آخر, لقد أصبح الأمن بحد ذاته تجارة مربحة وتدر دخلاً ذو ربح مضاعف أضعاف عن أشكال الأرباح الإنتاجية المحدودة الموارد والمضبوطة ضمن قواعد مادية محددة وواضحة لها علاقة بتكلفة الإنتاج المعروفة والدقيقة الضبط والمصادر, بينما في هذه الحالة فلا مصادر ولا من يحزنون , أجر يحدده عارض الخدمة إما أن يقبله الزبون ونادراً ما يرفضه , أي عرض وطلب بأسعار حرة مفتوحة وسوق حرة مفتوحة تحددها المصالح والأرباح ولا يوجد أي ضابط أخلاقي أو قيمي لها.
ومن منا لا يعرف اليوم دور القتلة المأجورين والمرتزقة في جميع أنواع الصراعات العنيفة العسكرية والأمنية , والإمبراطورية الأمريكية أكبر دليل قاطع على هذا الطرح , فقد تحول نصف استثمار هذه (الدولة) إلى استثمار أمني عسكري ربحي, و حول العالم تحتفظ القوات الأميركية بنحو 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 130 دولة من دول العالم ، تتنوّع مهامها المعلنة من القيام بالواجبات العسكرية المباشرة أو أعمال الدعم والإسناد الوجستية أو القيام بعمليات “حفظ السلام” تحت مظلة الأمم المتحدة. وخلال العقدين الأخيرين نشرت القوّات لأميركية قواعدَ عسكريّة أكثر من أيّ وقت مضى في التاريخ عدد خيالي من القواعد العسكرية ولا يوجد دولة في العالم وصلت إلى نفس الحد في ذات الأمر.
وغالبية هذه القوات موجودة في النهاية مقابل أجر وربح إما مباشر أو غير مباشر, أي لحماية مصادر طاقة مثلاً النفط وغيره من الخامات , ولكن هذه القوات لها أجر في النهاية ولها أرباح ومشاريع, حيث هناك من يستثمر في عمل هذه القوات , وليس الجنود و الضباط وغيرهم سوى موظفين في شركة يقومون بأعمال وخدمات معينة مقابل أجر يتلقونه, بينما المستثمر الأساسي, فلا أحد يعرف كيف ومن أين يتلقى أرباحه الحقيقية , بل كثيراً ما يظهر بمظهر فاعل الخير والمحافظ على الأمن والسلم مقابل أثمان لا تذكر أمام الخدمات المقدمة.
كما وهناك جانب آخر وتجارة أخرى أساسية وهامة تشكل الحروب مصدر أساسي لها, وهي صناعة الأسلحة والصناعات الإستراتيجية والآلية العسكرية الحديثة, الصاروخية و مضاداتها وبقية الترسانة العسكرية من سفن وأساطيل وحاملات طائرات وغواصات إلى المجال الجوي الفضائي , والبري وعتاده جميعها إلى العتاد الفردي للأفراد والجنود, إلى الثياب وكل ما يخطر على البال في الصناعات العسكرية, إنه سوق ومجال ربح جديد محتكر والمنافسة به محدودة للغاية , فقط بين الكبار من المنتجين والشركات العالمية الكبيرة , منها القومية ومنها الفوق قومية , ولكن في  النهاية كلاها أهدافه واحدة الربح والتسويق, وهذا يعني التشجيع على الحروب وافتعال الصراعات المستدامة والمستمرة من أجل الحفاظ على السوق واستمراريتها وجدواها ونموها , إنها كارثة من  الكوارث التي وقع بها المجتمع البشري (تجارة الحروب) فكل ما فيها مدمر للبشرية والمجتمعات ويحول كل شيء بما في ذلك العلم والمكتشفات جميعها إلى سلاح مضاد للبشرية وللحياة برمتها.
ها نحن نرى بوضوح الآن كيف تطورت الجيوش وتحولت من قوة لحماية المصالح والأرباح إلى وسيلة ربحية مجدية وكبيرة الأرباح , وخارجة عن الرقابة والقوانين الطبيعية للسوق الإنتاجي العادي الطبيعي والضروري للمجتمعات.
ناهيك عن ما ينتج حول الحروب من أزمات في كل شيء ويصبح خاضع للتجارة والاستغلال والتجارة السوداء, من البشر وأعضائهم وأجسادهم وحريتهم وممتلكاتهم, وكل شيء يقع تحت وطأة الحرب سيتحول إلى جزء منها ويخضع لقوانينها الحمقاء التي لا تعرف إلا تحقيق مصالح الأقوياء بالقوة والعنف في النهاية , بل وأصبح العنف ذاته تجارة ومنفعة و ربح مجدي لكل من استطاع أو رغب. 
من الهام أن نلفت النظر في هذا السياق أن المسئول الأول والأساسي عن هذا الصراع هي الدول الكبرى التي تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة وهي منتجة أصلا للأسلحة الإستراتيجية وغيرها , ومسوقة للمعدات العسكرية الثقيلة , والشعوب في النهاية مضطرة لخوض الحروب والدفاع عن نفسها , بحسب الظروف العالمية والسياسية ولجغرافية , ومشرع تفكيك الجيوش حول العالم ليس مشرع سهل , وبحاجة إلى الكثير , والبشرية بثقافتها الحالية غير قادرة على إنتاج ثقافة من هذا النوع , قادرة على خلق الأرضية القابلة لوضع الحلول العملية الكفيلة بوقف هذه المهزلة التي علقة بها البشرية منذ آلاف السنين وما زالت تعيشها من حروب وصراعات دموية تكلفتها عالية جدا .
شاهدنا في بداية النقطة الرقم  المطروح لتكلفة بعض الحروب , والجيوش , وما يكلف من طاقات اجتماعية إنسانية كبيرة , وتهدر في النهاية لتدمير الحياة والطبيعة الإنسان , وتكلفة موازنة عسكرية  لدولة واحدة من الدول الكبرى كفيلة بمعالجة نسبة كبيرة من المشكلات التي تعاني منها الأرض والإنسان الحياة معا , وهذه مهمة ثورية وإنسانية كبيرة و إستراتيجية تقع على عاتق القوى الثورية في العالم وكل القوى والمؤسسات المحبة والمؤيدة للسلام ونبذ العنف .
العسكرة والحروب هي العدو الأخطر والأكبر على الإنسان والبشرية والحياة و الطبيعة بكاملها , وهذه من أوائل ما يجب القضاء عليه العسكرة و الجيوش والأمن والتسلح , وكل تابعيات هذا الأمر الاقتصادية والسياسية و الصناعية البنيوية  و المفاهيمية والأخلاقية والقانونية , أي علاج متكامل شمولي ينهي ويقضي على الأرضية المادية والمفاهيم جميعها التي أدت إلى نشوء مثل هذه الظواهر الاجتماعية التدمرية للمجتمع و الحياة والطبيعة معاً.
ولكي لا نكرر الحلول سنترك الكثير من الحلول لهذا الأمر الشائك إلى نهاية البحث حيث سنقدم الحلول الكلية للقضايا الثمانية الأساسية التي شكلت سياق البحث ونسيجه الداخلي , والحروب من أخطرها وأشدها فتكا , والشعوب منشغلة بالحروب والصراع لصالح المستثمر الكبير صاحب المزرعة , بعد أن تحول العالم إلى قطعان تتصارع ومنشغلة في الكباش بينما هي تساق إلى المسلخ دون أن تعلم .
يشكل لانشغال بالحروب والتسلح والاستعداد الدائم للحرب كارثة كبرى على الاقتصاد العلمي والقومي لجميع الأمم والشعوب , وكان من الأجدى لها أن تسخر هذه الطاقات في إعادة الإعمار لما خلفه القرن الماضي من مصائب وكوارث بيئية واقتصادية واجتماعية على كافة المستويات , وإعادة الأرض خضراء ليس بالأمر السهل المنال , بل بحاجة إلى جميع الطاقات البشرية مجتمعة , وربما لا تكفي , فحريق الأشجار مثلا وقطعها العشوائي , ليس من السهل تعويضه بين ليلة وضحاها , بل يحتاج إلى عدة عقود وجهود جماعية جبارة , بدل الانشغال في الحروب و التجيش .
وتحول الجيش إلى طاقة شباب تسعى لبناء حياتها وكوكبها بدل حرقة وتدميره بالحرب , ولتحول هذه الطاقات السلبية المدمرة إلى طاقات بناء ايجابية خلاقة ترفع مستو الحياة على الكوكب وتحولها إلى نقلة نوعية تعيد الحياة إلى طبيعتها ومسارها الأصلي المتناغم .
(معا نحو كوكب اخضر خالي من التلوث والحروب والمجاعات)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

من شفاهِ نرجسةٍ بقلم حكمت نايف خولي

حكمت نايف خولي  من شفاهِ نرجسةٍ من شفاهِ نرجسةٍ والهةٍ رشفتُ خمرةَ الهوى .... نبيذاً معتَّقاً في وعاءٍ من نور ... نبيذاً مقدَّساً معطَّراً ب...