بسم الله الرحمن الرحيم
وقفة مع المشكلة الأساس
.
لاشك في أن الباحث المتخصص الذي يتناول جملة المشاكل التي تعصف بعقلية المسلمين عامة والعرب خاصة يلاحظ أن تلك النمطية المتبعة هي التي رسخت وما تزال ترسخ ظاهرة إعادة الإنتاج الفكري وتولده وتكراره دونما إحداث إي فوارق فكرية البته
بحيث أننا نعاني من قولبة الأفكار وتعليبها المسبق الذي أدى إلى اجترار المباحث كلها ولفظها بطرق مختلفة توهم بأنها أبحاث علمية جدية وجديدة تتناول القضايا الشائكة وذات الضرورة الملحة
فغياب الموضوعية الفكرية والبحثية كان الظاهرة الجلية التي أصابت عقولنا بمقتل حيث أن حالتنا كأنها أسست على ( عهد بيننا بأن نعتمد القياس والتقليد في كل شؤون حياتنا وهنا أفرق بين الأصالة والتقليد ) وهذا ما غيب الحالة الإبداعية لدينا في شتى المجالات لاسيما الفكرية منها والتي تعتبر المنطلق الأساس نحو النهوض من جديد ورسم الهوية المستقلة من جهة والتي تتكامل مع كافة الاطياف الفكرية الإنسانية من جهة أخرى وتلتحق بركب التقدم الحضاري حذو القذة بالقذة
وللأسف فإننا إلى الآن نفتقد إلى مبدأ تعميم وترسيخ مفهوم الموضوعية المجردة فيما يخص ممارساتنا ومحاكماتنا العقلية عامة لكل القضاية التي ندعي أنها سبب لنهضتنا بالوقت التي هي العائق في وجه ذلك النهوض والتقدم
فشتان بين من يقدم على البحث العلمي وهو متجرد من كل المؤثرات الموروثة أيا كانت سواء كانت إيجابية أو سلبية مقدما على الحقيقة وحدها من خلال أدوات وقواعد البحث العلمي والعلمي فقط ضمن مفهوم التجرد الحقيقي دونما الركون للأفكار والأحكام والنتائج والاقوال التاريخية التي عادة ما نستخدمها كأسس وأطر للبحث والتي من شأنها أن توفر أرضية الحكم المسبق على البحث الذي لايمكن أن نصف مخرجاته ساعتئذ بأنها مخرجات علمية بحتة
وهنا يبرز سؤال مهم جدا ما الفائدة من إجراء بحث يصفه باحث ما بأنه علمي على مسألة ما لديه حكم وتصور مسبق عنها وقد بحثها وأثبتها قبله الكثير ممن سبقوه
فهل بعد عرضها كفرضية أو نظرية أو مبحث ( علمي ) وإيهام نفسه بأنه سيجري محاكمات عليه بالوقت الذي ينطلق بعرضه من قاعدة الحكم بقطعية نتائجه التي استنتجها غيره في بحث سابق ثم مناقشته ضمن تصورات وقوانين وقواعد وضعها من سبقه في هذا البحث ثم الاستشهاد بأقواله ونتائجه ثم بعد ذلك يطالبنا أن نعتبر أن النتائج التي سيخرج بها هي إضافة فكرية وعلمية لذلك البحث ؟
لذا نقول ما هو الجديد الذي قد طرأ على هذا البحث وماهي الحقيقة العلمية الجديدة ؟
وأعرض مثالا توضيحيا هنا لفهم المشكلة :
عندما يقوم باحث في الشأن التاريخي الإسلامي مثلا بإجراء بحث تاريخي متعلق بحدث ما فإن أول ما يفعله هو الانطلاق من نتائج تصوره وحكمه المسبق نحو القضية التي يريد بحثها ثم يبحث في المراجع والوثائق والاحداث التي تدعم حكمه المسبق وبنفس الوقت يقوم بانتقاء الأفكار والاقوال والاخطاء والذلات المتعلقة بالرأي والمحاكمات المخالفة ثم يضع ذلك كله تحت المجهر ويرتب صياغته ويتفنن ببلاغته ليوهمنا بأنه قد أجرى بحثا علميا بالوقت الذي يتضح لنا أن كل الذي أجراه هو عباره عن إعادة صياغة ما طرح سابقا دون الاعتماد على أي محاكمات عقلية موضوعية حقيقية جديدة
ومسألة البحث في ( الشيعة والسنة ) خير مثال على ذلك وهي ليست بعيدة عن متناول الذي يريد فهم نشير إليه
فكل ما يفعله من يتصدر للبحث في تلك المسألة من كل الأطراف هو الانطلاق من تصوره ومحاكماته المسبقة والتأطر بالأطر الفكرية ( ولا أقول الأطر العلمية المتعلقة بالثوابت المجردة ) والتي تجاوز عمرها ألف سنة ثم إعادة ترتيب الاقوال والأدلة وفق صياغة جديدة لا أقل ولا أكثر مبتعدا بذلك كل البعد عن البحث الموضوعي المؤدي إلى معرفة الحقيقة بموضوعية وتجرد
وكذلك الحال مع كثير من القضايا الفقهية والاجتماعية والفلسفية وغيرها
وهذا ما أنتج عندنا العقلية القياسية الشمولية بامتياز وهذا ما أفقدنا أدوات البحث العلمي المجردة وغيب الحالة الفكرية الإبداعية لدينا بل هذا هو المرض الذي جعل غياب العقل المجرد ( الذي لم يكبل بسلاسل الموروثات والاطر المسبقة ) بكافة أشكاله هو السمى الظاهرة في تفكيرنا اللاموضوعي
.
كتبه
راجي عفو ربه
إبراهيم بن عبد العزيز بن رشيد الزعبي
مكة المكرمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق