الجمعة، 24 ديسمبر 2021

لماذا اخترت الوحدة بقلم فريدة بن عون

- لماذا اخترت الوحدة؟

ساعاتي الأكثر وحدة هي التي أظهر فيها قوتي النفسية. وهي الاختبار القاسي الذي أتعرض له  مبتعدة عن أصدقائي وخلاني ، ومبتعدة عن عادات كثيرة اعتدتها في وجودهم معي ..فوحدتي تتحول بحياتي إلى حياة أخرى بعادات جديدة وبأوقات فارغة أكثر ، وبتفكير في ملء هذه الأوقات واستئصال هذه العادات .
 وهنا تكمن القوة النفسية ، في أن أتحمل عادات الجديدة وحياة جديدة غاضًّة طرف نفسي عن سابقتها. ومعروف أن أشد ما يكون على النفس أن تضعها فيما لم تعتاده ، والقوي ذو الإرادة من يستطيع أن يتكيف مع هذا الطقس الشديد .
  والوحدة تنأى بنا عن تبادل المشاعر مع غيرنا والتمازج الرائع بين النفوس ..فهي تضعنا في ركن سحيق من الدنيا حيث نحن فقط من نُوجد فيه . من هنا تتحول أنت كمصدر مُستَقبِل للشعور والأحاسيس إلى مصدر مُوَجِّه لها ، فليس هناك إنسان يمدُّك بالشعور والانسجام الذي اعتدته وبقى إلا أن يكون هذا الإنسان هو أنت .. فتجعل من نفسك كل شىء وتحاول أن تسترجع ما فقدته من غياب الآخرين عنك . وفي هذا اختبار قاسٍ و مرير  فهو يضاهي أن تواجه طقسًا درجته تحت الصفر عاريًا أو تجلس في وسط النار . فالأمر لا يقل ضراوة أو شدة .
الوحدة تضعني في فراغ عمن حولي ، فالوقت القليل الذي كان يتبقى لي بعد لقائي بأصدقائي سيكثر ويتمدد ويشمل وحدتي المريرة. وأكون كعربة اعتادت أن تتحمل كيلوجرامات وفجأة وُضِعَ فوقها أطنانًا . فأبدأ بالتكيف وأُعَدِّل من نشاطاتي واهتماماتي وأسعى إلى شىء ما ، أبلور حياتي حوله وأجعله غايتي الكبرى، ليندمل جرح وحدتي ونأيي عن الناس .
 إذ في ساعات الوحدة أشباح وهواجس الماضي وبقايا حرائقي الداخلية وصندوق شهواتي المستتر الذي قد يَخَفى شهورًا وشهورًا وأنا معهم .. كل ذلك يعود وتلوح أمامي تلك الأشباح والذكريات وهذا الصندوق يفتتح ليحرك فيا ما قد خَبَّأته كثيرًا ..وكأني في صراع مع كل شىء وأنا وحيدة ، مع نفسي وذكرياتي وشهواتي وسطو العادة..
  لقد وضعتني الوحدة في حرب وجودية ، حرب تدور داخل ذاتي و"إنيتي" ، لا يُسْمَع فيها صليل السيوف ووقعها ، ولا رماح الوغى الصاخبة وعَدْو الخيول المغبَّر .. بل ملحمة عظيمة في غرفة هادئة ، وكل الناس يقولون ما لها صامتة ، ما لها هادئة ! وفي الحقيقة أنا أعيش حربا لا تقل بأسًا عن الحرب الحقيقة .. 
{ أعلمت إذا لِمَ الوحدة تُظْهر قوة النفس وشدتها وتخلق من الإنسان إنسانًا آخر ! بعض الناس لا يَقْدِر على أن يخلو بنفسه ولو لدقائق بل يخاف أن يخلو بنفسه . فهو لا يعلم ما قد يحدث ولا يتوقع نتيجة مباراته مع نفسه ، ولا يأمنها أن تفاجئه بتقريع وسخط ونقد لاذع على ما قد جنى من غلط ..
وأن تتواجد مع الناس دائما ليس شرطًا للقوة النفسية بل هو يحمل في طياته خوف من الوحدة ..خوف من اللقاء المرتقب مع نفسك ، أن تكون أنت على مقربة منها ، وتراها كما لم تراها من قبل .
أتحب أن تكون قويَّا ؟ فلا تتواجد معهم مجددًا إلا بعدما تتواجد مع نفسك - فقط - بقدر كافٍ تعرفها فيه .وليس الاختباء دائمًا بدليل على الضعف ، فمن يختبء في نفسه قد يخرج أقوى ممن يصول ويجول بين الناس ، ومن يتواجد في الواقع فربما يكون مختبئًا من وحدته ومن نفسه ، من هنا يتجلى الهرب الحقيقي ، ينكشف الضعيف من القوي . }

بقلم⁦❤️⁩🌷 فريدة بن عون 🖤

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الظِّلُّ يَتَحَدِّث بقلم علاء فتحي همام

الظِّلُّ يَتَحَدِّث /  أنا الظِّلُّ خُلِقت للرُوح مَطهَرة اُجَاور مَسِيرها أغْفُو واُفِيق أَوَليْس عَتَمَة حَواسِي مُتَح...