الثلاثاء، 25 يناير 2022

الشيفرة الكونية 5 التفكير الحدسي المنطقي بقلم رماز الأعرج

 تحية الامل والفكر ولإرادة 

الشيفرة الكونية 

5  التفكير الحدسي المنطقي

شكلت قضية مفهوم الحدس في التفكير إشكالية فلسفية عميقة في فهم الفكر الإنساني, فهناك الكثير من المفاهيم المتناقضة حيناً و المتشابهة آخر قد على غبار صراعاتها عبر تاريخ الفلسفة القديمة و الحديثة , و الحساسية هذه الإشكالية سنفرد لها مساحة خاصة كافية لإيضاحها.

و سنبدأ بتعريف مفهوم الحدس و ماذا يعني هذا المصطلح من الناحية اللغوية و الفلسفية و في المعجم الجامع وجدنا حول هذا الاصطلاح ما يلي

حدس, فعل

0 حدس, إدراك الشيء إدراكاً مباشراً من غير الاعتماد على خبرة سابقة.

0 الحدس, إدراك الشيء إدراكاً مباشراً.

0 الحدس, الفراسة و الذكاء.

و هناك الكثير من التراكيب و الاستعمالات اللغوية لهذه الكلمة و لكنها تدور حول نفس المعنى في الغالب و هناك الكثير تختلف في المعنى و الاستعمال و لكن لا يوجد ما يناقض هذه المعاني المذكورة و التعابير.

 و منذ القديم شغل هذا الأمر الفلاسفة, من الفراعنة إلى السومريين إلى الهنود الأمريكيين و الأسيويين و بلاد فارس و اليونان و ما تلاهم من ثقافات لاحقة كالثقافة العربية ولإسلامية و غيرها, و كل من سبق ذكرهم و غيرهم قد بحثوا في موضوع الحدس و اختلفوا حوله من سقراط الذي رأى أن المعرفة و الحكمة تصدر عن وحي و حدس داخلي ذاتي و حالة يعيشها الإنسان, و بذلك كانت رؤيته للحدس رؤية مثالية كاملة في النهاية على خلاف أرسطو, المادي الذي اعتبر المعرفة و الفكر نتاج للمادة و العالم الخارجي, و من أهم إنجازات أرسطو صاحب نظرية العناصر الخمسة المعروفة حتى يومنا هذا ( الماء الهواء و التراب و النار) اختلاطها و تفاعلها نشأت و تكونت جميع الأشياء.

و يعتبر أرسطو أن أساس المعرفة هو الإحساس المباشر,  أي أن التجربة الحسية هي أساس المعرفة, و ينتقل الإنسان من المحسوس إلى المجرد و يعتبر أن المحسوس ضن, بينما المجرد هو يقين, أي بعد أن حصلت التجربة ذات الضن وصلنا إلى اليقين, و اليقين هذا سيقودنا إلى اليقين مرة أخرى بحيث أن مجموعة من اليقينيات تقودنا إلى يقين نظري جديد و حصيلة القول أن أرسطو لا يؤمن بوجود أفكار سابقة على التجربة, و بذلك فالحدس الذي يراه في النهاية رغم كل التباساته هو حدساً مادياً نتج عن تجربة ما, و ليس عن وعي ذاتي غير مدرك كما عند أفلاطون المثالي المتميز.

أما أفلاطون فقد اعتبر أن المعرفة الحقيقة لا يمكن للحواس إدراكها, و ما الحواس سوى صورة خيالية بل جزئية للواقع و اعتبر أن  معرفة الحقيقة تدرك مثالياً ذاتياً من خلال النفاذ إلى جوهر الأشياء مباشرة, أي عبر الوعي و لا حاجة إلى الحواس الخادعة لعمليّة  كشف الحقيقة.

إن الحدس لدى أفلاطون عملية مثالية ذاتية بحتة (ما وراء الطبيعة) تحكمها و لا يمكن أن يحققها أي إنسان بل هي من خواص النخب و الموهوبين الذين تمنحهم الآلهة هذه الخواص و الميزات الذهنية الخاصة, لقد تقاطعت و اختلفت الرؤية الفلسفية لهذا الأمر الشائك منذ فجر الفكر و الفلسفة.

و الفكر الديني على العموم يعتبر أن الحدس المعرفي هو مسألة خارجة عن الطبيعة و ما زالت هذه الفكرة سائدة حتى يومنا هذا في الكثير من الأديان , و في الفلسفة الحديثة و المعاصرة ما زال الجدل و الانقسام على أوجه رغم كل ما وصل إليه العلم من مكتشفات و حقائق عن وعي الإنسان و معارفه حول هذه المسألة, و لعدم الإطالة يمكن العودة إلى كافة المراجع المتعلقة بهذا الشأن المختلفة و الاطلاع عليها لمن يرغب في التوسع.

و نود هنا الإشارة إلى قضية هامة قبل الدخول في فهم الشيفرة الكونية لهذه القضية, إن للماركسية فهماً غريباً و ملتبساً لهذه القضية, ففي كتاب (يخوت) مثلا  يوجد نصاً في سياق مفهوم المعرفة و الحدس يقول ( كتب لينين يقول من الحدس إلى الفكر المجرد و منه إلى الممارسة ذلك هو الطريق الجدلي لمعرفة الحقيقة, لمعرفة الواقع الموضوعي) انتهى الاقتباس يوضح لنا هذا النص بلا أي التباس.

إن الحدس له علاقة بالإحساس مباشرة و له مفهوماً مختلفاً كلياً عن مفهوم الحدس الذي نتكلم عنه فالحواس الأولية هي أصل جميع الأفكار هذا صحيح و لكنها ليس الحدس ذاته, فالحدس شيء مختلفاً عن ما هو وارد في هذا النص, فالحدس يأتي قبل الفكر المجرد على حد قول لينين في النص المذكور, و هذا معناه أنه إحساس مباشر سابق للفكرة , و هذا يعني أن الحدس هو عبارة عن انعكاس مباشر لأشياء العالم في حواسنا, أي أنه مرحلة بدائية المعرفة أو الفكرة و سابقاً لها, في الوقت الذي نرى في الفلسفة المثالية أن الحدس هو مرحلة متطورة من مراحل المعرفة بل هي من اهم أشكال المعرفة و الكشف عن الحقائق.

إن هذا المفهوم المسطح و المبسط للحدس الذي يفترضه لينين و الماركسية من بعده يجعل من مفهوم الحدس شيء مسطح لا معنى له, و لا وجود أصلاً, فلا فارق بينه و بين الحواس و الإدراك الحسي الأولي, و بهذا يكون هو من أبسط مراحل المعرفة, و الطرف الأخر المثالي فهو يرى أن الحدس هو أرقى أشكال المعرفة و ارقاها فما هي الحقيقة إذاً.

إن الشيفرة الكونية ترى الحدس على النحو التالي

الحدس هو ذلك الشعور الذي يسيطر على الإنسان أثناء تتبعه لحقيقة ما و محاولة اكتشافها و هو ليس مفاجئ على الإطلاق, أي أنه تراكمي و لا يمكن وقوع الحدس دون وجود مقومات مادية لوقوعه, إن الحدس هي تلك اللحظة التي نشعر بها أن أمراً ما هو حقيقة يقينية و هذه الحقيقة اليقينية لا يمكن أن ندركها بدون أي معرفة سابقة مهما كانت بسيطة.

و للإنصاف علينا تقسيم مفهوم الحدس حسب وجوده الحقيقي و هو على النحو التالي

1 الحدس الغريزي الإدراكي.

2 الحدس المعرفي التجريدي.

3 الحدس العلمي و ألابتكاري.

4 الحدس الاحتمالي الخيالي.

5 الحدس المستقبلي قريب و بعيد .

6 الحدس الوهمي الغير واقعي.

رماز الاعرج



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بحرٌ غشاهُ الموجُ في زَيفِ الزمنْ بقلم منى إلبروس

بحرٌ غشاهُ الموجُ في زَيفِ الزمنْ والنورسُ المسكينُ يبني بالوكنْ هوجاءُ ريحٍ باغتتْ أوطانه لكنّها ما استسلمَتْ عند المِحنْ عينٌ على...