تحية الصباح والحرية والأمل
رماز الأعرج
الديمقراطية مساواة في الرأي وليس حرية))
بدايتا علينا التميز بين المساواة والحرية, قد يرى البعض أن لا فارق بينها حيث تؤدي الواحدة إلى الأخرى, حسنا دعنا سويا نتابع ذلك, المساواة في الرأي هي شيء هام طبعاً وضروري, حيث المساواة في الرأي لجميع البشر الراشدين مثلا بغض النظر عن اللون أو الجنس أو المكانة الاجتماعية أو الطبقة, هذه المساواة رغم أهميتها وضرورتها إلا أنها لا تعني الحرية أبداً, إنها مساواة في إبداء الرأي, وهذا ليس حرية, إطلاقا, إنها مجرد رأي ما مقترح, ولا قيمة له قبل فوزه حسب شروط اللعبة تنتهي هذه الحرية في إبداء الرأي, فور انتهاء شوط الاقتراع , وهكذا تنتهي الحرية المزعومة على الفور, وينفذ القرار الذي ربح رهان اللعبة وحصد الغالبية لصالحه .
وفي حالات المركزية الديمقراطية الحزبية, تلتزم الأقلية برأي الأغلبية خارج الهيئات الحزبية, ولا يحق لها طرح رأيها أو الترويج له, بل تلتزم برأي الغالبية وحسب, أما في النظام السياسي العام مثل البرلمانات أو الاتحادات المهنية العامة, فالأمر مختلف حيث يحق للمعارضة الترويج لرأيها خارج الأطر والهيئات الرسمية, ولكن هذا لا يعطل تنفيذ القرارات التي حازت على الفوز, قاعدة (قل ما تشاء ونفعل ما نشاء)
فحرية الديمقراطية المزعومة هي حرية رأي فقط, ورغم شكليتها في النهاية كما سنرى لاحقاً, إلا أنها مؤقتة ومرحلية, أي الحرية في الرأي وتنتهي فور صدور القرار وفوزه كما رأينا, فعن أي حرية نتكلم في هذا المساق, حرية رأي مؤقتة ومحدودة محصورة في إطار ونظام ما, بل في مكان خاص بها وحسب, ولا علاقة لها بالحرية الفعلية لا من قريب ولا من بعيد, ولا يمكن للديمقراطية أن تكون حرية أو طريق أو نظام يحقق الحرية للمجتمع أو للأفراد .
إنها لعبة النظام السياسي الذي يلاعبها للناس وهو صاحبها ومؤسسها وواضع شروطها حسب مصالحه بالأساس, وبعد ذلك يلعبها بعد إتقانها وإحكام السيطرة عليها, ليس هذا فقط بل يسعى النظام جاهداً في الأنظمة السياسية والمعاصرة إلى صناعة الوعي الاجتماعي وتجهيز الرأي العام للقضية التي يرغب النظام في تحقيقها, ويستخدم الكثير من الأساليب والطرق للخداع الشعب وصناعة الرأي العام المناسب لتحقيق مصالحه بطرق لعبة الديمقراطية المزعومة.
فالديمقراطية شيء والحرية شيء آخر لا علاقة له بالديمقراطية إطلاقاً, ولن تقود الديمقراطية إلى الحرية أبداً فهما نقيضين أصلا, وطبيعة هذا التناقض لا يسمح بإمكانية اجتماعهما في وحدة دون أن تمنع الديمقراطية الحرية في النهاية وتحاصرها, وتضعها تحت قانون الغالبية الساذجة وحسب.
فالحرية في الأساس حصيلة علم ومعرفة وإمكانيات, ولا علاقة لها بالنظام السياسي سوى أن النظام السياسي يضع القيود على سلوك البشر بالطريقة التي تتناسب ومصالحه, ويطلق عليها الأسماء والمواصفات ويقدمها كوصفة سحرية تعالج إشكاليات المجتمع, من خلال حرية الرأي, وهذا حق, ولكن يراد به باطل ما دام خارج عن مبدأ المساواة الاقتصادية بالأساس, وبهذا, نكتشف أن الحرية لا يمكن تحقيقها من خلال أنظمة سياسية, فلا حرية للإنسان في ظل أي مجتمع طبقي , لا حرية للإنسان ما دام محروم من المساواة الفعلية وليس الفضية وحسب, ثم ما جدوى حرية الرأي هذه ما دامت خارجة عن القضايا الاقتصادية الأساسية, فالحرية السياسية لا يمكن تحقيقها ما دام المجتمع بحاجة إلى نظام سياسي, وليس نظام اجتماعي إداري, هذا من أهم شروط المجتمع العادل والذي يمكنه أن يحقق الحرية لكافة أفراد المجتمع بشكل متساوي, فعلي وليس لفظي وهمي , أو رأي يؤخذ كوسيلة لتحقيق مصالح النظام السياسي وإعطائه الشرعية بالدرجة الأولى, إنه أقل حتى من الاستشارة .
فالرأي الاستشاري لا يتوقف, قد يصبح هو ذاته في أي لحظة رأي معتمد وهو دائم الوجود وحاضر في كل شيء وأي لحظة, أما الرأي المختلف في الديمقراطية فهو شيء آخر, فصلاحيته تنتهي ويتوقف فعله من لحظة خروجه خاسر من اللعبة, فيتوقف عند هذا الحد ويبقى في العادة في نطاق صاحبه وحسب, بينما في التطبيق فلا شيء سوى من فاز في اللعبة, هذا الأخير هو من يستمر في الواقع ويصبح ممارسة حية .
وهنا يظهر لدينا بكل وضوح أن لا مكان للحرية في النظام الديمقراطي ولا غيره, فالنظام السياسي في النهاية هو نظام طبقي أي كان نوعه, ونظام ملكية خاصة في النهاية, ولا حرية اقتصادية ولا مساواة في المجتمعات السياسية وهذا متفق عليه اليوم بين جميع المفكرين و الفلاسفة, ونسوق مثالا هنا للتندر, لو إفترضنا أن لدينا مليون شخص متفقين على رأي ما, وبالمقابل هنالك مليون له رأي يعارض هذا الرأي, وهناك شخص قادم بعد قليل من الوقت, وهو من ضمن هذه الجماعة, وصوته هو الحكم الحاسم الآن, إن كلا المليونين متساويين الآن, ما الذي سيزيده هذا القادم على أحدهما ليعطيه الغلبة والفوز باللعبة, الجميع بانتظار هذه اللحظة, لا أحد يعلم أين سيكون رأيه ولصاح من الفريقين .
قد يتخذ هذا القادم موقف لا يتفق مع كلا الطرفين, هذا احتمال , ولاحتمال الآخر أن يتفق مع طرف, وأي طرف سيتفق معه سيزيده واحد سيجعله يكسب اللعبة, أو الرهان بينما الطرف الآخر المليون سوف يخرج من اللعبة خاسراً, فقط لكون الواحد هذا لم ينحاز لصالحهم, بذلك خرج المليون شخص من اللعبة خاسراً, ليس هذا وحسب بل وسينفذ ويطبق رأي الطرف الآخر الذي لا يزيد سوى واحد, و سيخرجون من اللعبة كلياً ولا مكان لرأيهم في الواقع إلا في أنفسهم, إنها أشبه بلعبة النرد, أو أي نوع ’خر من القمار والميسر,,,,
الخلاصة أن الديمقراطية لا علاقة لها بالحرية إنها أشبه بنكتة حين نفكر أين الحرية في الديمقراطية, فلا حرية حقيقية في أي نظام سياسي, والحرية هي للطرف الأقوى دائما, والقانون يسنه القوي والغالب , وبذلك لا يحمي القانون المغفل أو من لا يعرفه.
إنه مجتمع الشطار والفهلوة, والصيد والقنص والفرص والألاعيب, وهذا يعتبر حنكة وذكاء وصفات حميدة مرغوبة لدى الإنسان الناجح, أما الضعيف فهو الطرف الذي يدفع الثمن في كل شيء, في الحرب والسلم, و الاتفاق و الاختلاف , وهو المستغل, وهو الذي تسوق جميع القوانين على ظهره وعلى حساب حمايته وأنصاف الضعيف إحقاق الحق وإقامة العدالة, والشريعة تطبق على الضعيف و القانون لا يحيه ما دام لا يعرفه,,, وهنا الغرابة والحمق والغباء بعينه, فكيف يطبق قانون على شخص لا يعرف به ولا يوجد لديه أي علم عن ذلك. هذا لا يعني طبعاً أن المخالفات الكبيرة مثل القتل وما شابه يمكن تبريرها أو السماح بتمريرها بلا عقوبة مناسبة, ولكننا هنا نناقش منطقية القوانين ومدى عماها وعقمها .
.
أما الحرية فلا علاقة لها بهذا الأمر وسنأتي على عنوان خاص بمفهوم الحرية ونفككه ونعيد تركيبه لنتمكن من فهم ما نحتاج إليه فعلا لتحقيق أهدافنا, فليس من الحق أن تكون لدينا أهداف مثل الحرية ونحن لا نفهم ما معنى هذا المفهوم وما هو المطلوب لتحقيقه ولماذا وما الجدوى من هذا الهدف أو الطموح .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق