تحية الوعي والمعرفة المتجددة
تفكروا تصحوا
رماز الأعرج ,,
المحاضرة 2
لمحات من الشيفرة الكونية من فرع
الإنسان والوعي والمعرفة
الفصل الثاني عشر
3 أقسام المعرفة و أشكالها
إن المعرفة لا يمكن فصلها عن سابقها, و هو الأفكار و التصورات و لاحقها هي الحقيقة بكافة أشكالها, فهذا الثلاثي مشروطاً ببعضه البعض هو عبارة عن مراحل للتطور المعرفي, و هذا التطور و الحركة المعرفية ذاتها, أي المعرفة, تنقسم إلى قسمين أو مرحلتين, الأولى حسية و مباشرة و جزء منها إدراكي مباشر و هو مشترك مع الحيوانات أيضاً و الثاني تجريدي ذهني نظري, أي مرحلة متقدمة و مفسرة للواقع بعد تحليله ( مختبري في الدماغ و العقل) و تكوين صورة ذو شمولية عن الموضوع.
و بذلك نرى أن هذين المرحلتين من المعرفة مشروطة بأسبقية المعرفة الحسية على المعرفة النظرية المجردة, و ما المعرفة الحسية سوى أساس للمعرفة المجردة, و كما أن المعرفة تحتاج للفكر و التفكير, فإن المعرفة النظرية لا يمكن أن تتشكل بدون المعرفة الحسية مسبقاً كشرط, فهي سلسلة مترابطة كدرجات السلم و لا يمكن تغيب أياً منها, من بداية المعرفة الحسية, أي النشاط المباشر و الحواس الإنسانية.
و الدليل على ما نقوله موجود أمامنا, فالإنسان الذي يولد أصم لا يمكنه أن يتكلم و بذلك فهو يخسر خاصية النطق بسبب غياب حاسة السمع, و هذا وحده دليل كافي و قاطع على أن الممارسة هي الأصل في اكتساب المعرفة والمهارات, فلو سمع هذا الإنسان الأصوات لتمكن من تقليدها و تعلم الكلام فهو فسيولوجياً لديه قدرة على ذلك , و لكن غياب السمع ( الحاسة المباشرة) جعله يفقد القدرة على النطق, رغم استعداده الوراثي للقيام بذلك, وبهذا فقد قدرة معرفية بسبب غياب إمكانية الممارسة الحسية أولا.
بينما يحافظ على قدراته البصرية و الذهنية الأخرى حيث بإمكانه أن يتعلم قرائه الشفاه و لغة الإشارة مما يمكنه من التواصل مع الآخرين خارج القدرة على النطق, و حتى لو حاول التعلم ستبقى ألفاظه غير مكتملة لكونه لم يسبق له و إن عاش تلك التجربة و لم يسمع الأصوات يوماً .
لقد عج تاريخ الفلسفة بالكثير من الآراء حول هذه القضية الشائكة, و اعتبر الفلاسفة المثالين الذاتيين أن المعرفة الحسية هي معرفة خادعة, و أنها من الأشكال الدنيا للمعرفة, و فصلوا بكل اعتباط بين المعرفة الحسية كشكل أساسي للمعرفة و اعتبروا أن المعرفة النظرية و التجريدية و الأفكار عن العالم و الحقائق لا يمكن إدراكها عبر الحواس, فالحواس سهلة الانخداع, بينما العقل فلا يمكن خداعة, و ذلك بحكم مرجعهم الأول من قضية الوعي, وبما أن الوعي هو منتج المادة , فلا يمكن للفكر و المعرفة المجردة و المفاهيم العقلية أن تكون مادية أو نتاجاً مادياً ما, لذلك فهم يرجعون الفكر و المعرفة إلى أصولاً غير مادية بل أصول خارجة عن الطبيعة يسمونها الذات المطلقة.
و جاء صنع الفكر و المعرفة و الوعي بناء عليها و على أساسها المثالي المطلق و هذا يدحض بالمثال السابق بالكامل.
و كذلك المثالية الموضوعية على الرغم من تشبثها بالتجربة الحسية شكلياً, و لكنها في النهاية تعيد المعرفة إلى العقل المطلق, و المعرفة في النهاية لا تخرج عن إطار مفهوم الوعي الفلسفي الذي تحمله و تتشبث به كأساس لكل ما تبني من أفكار لاحقة.
و في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من الآراء الحديثة و المعاصرة و هي كثر و متنوعة, منها الإدارية و التجريبية و العقلانية و الحدسية العقلية و الصوفية و العديد من التسميات و الآراء التي لا حاجة لسردها و الرد عليها واحدة تلو الأخرى كما في الماركسية.
فالماركسية نظرية سياسية مؤد لجة و هي بحاجة إلى الإكثار من الردود, أما نحن في الشيفرة الكونية فلنا رؤية أكثر تجرداً و بعداً عن السياسة و الدين و غيرها من النزاعات الاجتماعية, و هذا لا يتعارض مع أن ينهل كل من يريد من هذا العلم و لكن ليس على قاعدة تحويل مجرى النهر كله لحديقته الخاصة.
إن التجارب الملموسة و التاريخ تثبت أن الممارسة في النهاية و التجربة الحسية هي أساس كافة أشكال المعرفة الأخرى.
و مهما تعددت الآراء و النظريات فإن الحقيقة هي واحدة فقط, أما تفسير هذه الحقيقة فهو الذي يبقى مختلفاً عليه أي جوهر الحقيقة نفسها فمثلاً قضية الوعي و طبيعة وجوده, فحقيقة وجود الوعي مقراً بها لا خلاف عليها, و لكن الخلاف يدور حول أصول هذا الوعي و كيف نشاء, و علاقته بالعالم و الظواهر الأخرى.
إن المعرفة الحسية كما بات واضحاً لنا من خلال كل ما سلف من دلائل و إثباتات قاطعة كمثال الأصم و الأبكم أو الأعمى الذي لا يمكنه أن يدرك مفهوم اللون و غيرها من الأمثلة الملموسة تثبت أن لا وجود لأي شكل من أشكال المعرفة خارج الممارسة و المعرفة الحسية, و غياب أي تجربة حسية سيعني غياب النتيجة حتما .
رماز الأعرج

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق