الجمعة، 27 مايو 2022

الحلم الضائع بقلم رجا الأشقر

 بِقَلَمْ : رجا الأَشقر ( أديب وشاعِر)


الحُلُمُ الضَّائِعْ ..


رَسَمْناكَ صُوَراً على صَفَحاتِ العُيونْ ..

نَثَرنَاكَ زَهْراً على دُروبِ العُمرْ ..

كَتَبْناكَ سِيَراً في دَفاتِرِ الصَّحْوَةِ والغَفْوَة، وأَوْدَعْناكَ دُرَراً في خَزائنِ المُسْتَقْبَلَ،خَوفاً عَلَيكَ مِنَ الضَّياعْ .

كُنْتَ حَديثَ الآبَاءِ والأُمَّهاتِ في خَلواتِهِمْ ، والحَاضِرَ الدَّائِمَ في حِواراتِنا مَعَهُمْ .. وإذْ تَغِيبُ مَرَّةً عَنها ، وَقَدْ ضِقْتَ ذَرعاً بِأَلْسُنٍ تَتَناوَلُكَ في مُناسَبَةٍ ، أَو خَارِجِها ؛ كُنَّا نَسْتَحْضِرُكَ بِلَهْفَةٍ خِلافاً لِمَشِيئَتِكَ ؛ وفي البَالِ أَسْئِلَةٌ تَزْدَحِمُ ، وإجَابَاتٌ تَنْتَظِرُ الرَّدَّ والإِيضَاحْ ..

قَبْلَ بُلوغِنا عَتَبَةَ الإِدْراكِ سَكَنْتَ طُفولَتَنا ..       لمْ تَغِبْ يوماً عَنْ ثِيابِنا ، ولا عَنْ ألعابِنا ، وكُتِبِنا ، ودَفاتِرِنا ، وأقْلامِنا ، ومَشاوِيرِنا ، وأَسْرارِنا.. رافَقْتَنا في كُلِّ الأَوقاتِ، وَكُنْتَ حاضِراً مَعَنا على مَقاعِدِنا الدِّرَاسِيَّةِ حِينَ صَوَّرناكَ عَلَيها أشْكالا .. مُعَلِّمٌ حِيناً ،                 وَطَبيبٌ أحْياناً، وَمُهَنْدِسٌ في مَرَّةٍ، وَطَيَّارٌ في أُخرى.. وَتَكُرُّ السُّبحَةُ لِتَطالَ مِهناً أخرى                                        أسْنَدْناها لكَ ، وَقَدْ لا تَخْطُرُ إلاَّ في بالِ الصِّغارِ مِنْ أَمْثالِنا في ذَلِكَ الحِينْ.

وَإِذْ آنَسْنا في عُقولِنا نُضْجٌ،وفي سُلوكِيَّاتِنا مَسؤولِيَّةٌ رَفَعْنا مِنْ قَدْرِكَ ، وأَعْليْنا مِنْ            شَأْنِكَ؛ فَيَمَّمنا بِكَ صوبَ عَالَمٍ أَرْحَبٍ أَكْثَرَ شُمولِيَّةٍ، وأَوْسَعَ مَدى .. وَطَنُ يُلَبّي طُموحاتِنا ، وإِنْسانِيَّةٌ تَصْقُلُ شَخْصِيَّاتِنا ، وتُهَذِّبُ نُفوسَنا .. أمّا المِهَنُ الّتي كُنَّا نُمَنّي النَّفْسَ بِها، ونَرى فيكَ خَيْرَ العَونِ على تَحْقيقِها ؛ فَقَدْ باتَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلينا مُجَرَّدَ وَسائِلَ نَعْبُرُ مِنها إلى مِساحاتِكِ الرَّحْبَةْ..

حَتّى الصُّوَرُ والرُّسومُ تَغَيَّرَتْ كُلُّها .. رَسَمْنا أشْكالاً جَديدَةً ، وَوَضَعنا لها عَناوِينَ أَكْثَرَ الْتِصاقاً بِالهُوِيَّةِ والقِيَمِ وجَوهَرِ الوُجودِ ، وأشَدَّ إيماناً بِالرٍِسالَةْ..حَلَّ العَلَمُ، والخَريطَةُ، وَوُرَشُ البِناءِ، وصُورُ البيئَةِ، َوَتِلْكَ الّتي تَرْمُزُ إلى الحُقوقِ مَكانَها ، وَصارَتْ هِيَ الهَمَّ الأسَاسَ ، والشُّغْلَ الشَّاغِلِ بَعْدَ أنْ حاصَرَتْنا

الازمَاتُ ، وأُصِبْنا في لُقْمَةِ عَيشِنا، وفي كَرامَتِنا ، وفي أَمْنِنا ، وفي وُجودِنا .. 

اليَومَ جِئنا لِنَقولَ لكَ أنَّنا وَهْبنَاكَ أَنْفُسَنا، وَسَخَّرنا لَكَ كُلَّ إِمْكانَاتِنا ، وتَقاسَمْنا معكَ الفَرَحَ ، والوَجَعَ،وَذِكْرَياتِ الطُّفولَةِ، والمُراهَقَةِ، والبُلوغِ؛فما غَيَّبْناكَ في مُناسَبَةٍ، ولا أنتَ أهْمَلْتَنا في مَجالٍ،او خَذَلْتنا في مَوقِفْ .. فَلِماذا تَتْرُكُنا ونَحْنُ في أَمَسِّ الحاجَةِ

إليكَ ؛ والجوعُ والمَرَضُ على الأَبْوابِ ، والوُصولُ إلى بَرِّ الأمَانِ دونَهُ مَشَقَّةُ                                وعَقَباتْ ؟ ..

لَمْ نَكُنْ لِنُصَدِّقَ أنَّكَ سَتَرحَلُ إلى بِلادٍ         خَالِيَةٍ مْنَ الهُمومِ ، وأنَّكَ سَتَتَعَرَّفُ فيها         إلى أُناسٍ لا يُشْبِهونَنا، ولا يُثْقِلونَ كاهِلَكَ بالطَّلَباتِ،وَسَنكونُ واثِقينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لكَ مُقامٌ بَيننا ، وبِأنَّكَ لَنْ تَزورَنا لِتُلقي علينا

السَّلامَ ، ولِتَتَفَقَّدَ أحْوالَنا ، أوْ حَتّى لِتُعَزِّينا في ما نَحْنُ فيهِ مِنْ مُصابْ ..

وإِذْ نُوَدِّعُكَ وَقَدْ تَبَخَّرَ الأَمَلُ، وانْقَطَعَ الرَّجاءُ نقولُ لَكَ أنَّ الحَقَّ ليسَ عَليكَ؛فَنَحْنُ مَنْ سَدَّ في وَجْهِكَ أبوابَ العَودَةِ يَومَ اتَّكَلنا عليكَ، ونَسِينا ما يَسْتَحِقُّ علينا مِنْ واجِباتٍ، ويَومَ آمَنْنا أَنَّكَ قادِرٌ على بِناءِ مُسْتَقْبَلِ الأَوطَان؛ وفَاتَتنا أَنَّكَ لا تَمْلِكُ القُدْرَةَ على تَلبِيَةِ بَعْضٍ مِمّا يَتَمَنَّاهُ فَردٌ مِنّا؛ إنْ لَمْ نَسْعَ نَحْنُ إلَيهِ ، ونُجَاهِدْ في سبيلِ تَحْقيقِهِ بِشَتّى الوَسَائِلْ .

أخيراً يُهِمُّنا أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ في ضَياعِكَ مِنّا ضَياعٌ لِوَطَنٍ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ لَهُ مُجَدَّداً شُروطُ الحَياةِ ، وخِسارَةٌ لِمُسْتَقْبَلٍ باتَ يَتَرَبَّعُ على فُوْهَةِ بُرْكَانْ .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الظِّلُّ يَتَحَدِّث بقلم علاء فتحي همام

الظِّلُّ يَتَحَدِّث /  أنا الظِّلُّ خُلِقت للرُوح مَطهَرة اُجَاور مَسِيرها أغْفُو واُفِيق أَوَليْس عَتَمَة حَواسِي مُتَح...