الأربعاء، 17 أغسطس 2022

آخر رسالة بقلم رفيعة الخزناجي

 آخر رسالة 


فتحت ذلك الصندوق الصغير ، وأخرجت منه رسالة بيد ترتجف كما غصن شجرة في مهب الريح ، استنشقتها بعمق شديد ، قبلتها بكل حب ، ضمتها لصدرها كما تضم الأم طفلها الرضيع بكل حنان وعطف ومحبة ، وضعتها أمامها على الطاولة وبقيت تمعن النظر فيها .... بعد وقت وضعت نظارتها وتناولت الرسالة ببطء شديد .... فتحتها بكل عناية  ورفق ، ألقت بصرها على تلك السطور الباهتة المرسومة على تلك الورقة الصفراء ، تابعت النظر وأمعنت في كل حرف ، تنهدت تنهيدة سمعها من كان خارج الغرفة ، سالت دمعة من عينيها وقعت على خدها ، أحرقت وجهها ، مسحتها بيدها ، وهامت  بعيدا بعيدا ... كان هو سندها الوحيد ، هو الحبيب والصديق ، الأب والأخ ، هو الإبن الذي تمنت أن تنجبه  هو المعلم والطبيب والراعي الوحيد لها ، هو النفس الذي تتنفسه ، هو حياتها ، هو هي بكل اختصار .... هكذا هي تراه وتحس به وتؤمن بكل حرف يقوله كما إيمانها بكلام الله ، لا شيء يصدر منه يزعجها ، ولا كلام يقوله يؤلمها أو يجرحها وكأنها أصيبت بتعويذة سحر قوية ويستحيل مسحها واتلافها ، عاشت على أمل لم يتحقق ولن يتحقق ، كان يكتب إليها كل أسبوع رسالة ، فيها من الشوق والحنين والحب والهيام ما يجعلها تتجمل بالصبر وترتدي ثوبه بكل حب ، وتواصل الإنتظار ، انتظار مقدمه بسلام ليتم ما تتمناه وما تعاهدا عليه ... مرت الأيام ... الأشهر .... سنين ، وذا يوم وصلتها رسالة منه ، حين تلقتها ، شعرت بضيق في الصدر وغصة في الحلق وانتابتها نزعة من الحزن قبل فتحها ؛ لعنت الشيطان وبسملت وفتحت الرسالة ، قرأتها ، ويا ليتها ما قرأتها ...

" عزيزتي (....) أسعد الله أوقاتك 

أما بعد ، يؤلمني وجدا أن أخبرك بقراري هذا ، ربما تأخرت في أخذه ولكن ... لا نصيب يجمعنا ، فأنا تزوجت منذ سنوات  وبقيت معك على عهدي أراسلك وأراعي مشاعرك واحاسيسك ، ربما ارتكبت بذلك خطأ شنيعا ولكن كان قصدي أن تشعري وتتمتعي بلذة حبنا الذي ولد بينا ولم يكبر عندي ، لقد مات من زمان لكن ترعرع وأينع عندك فلم أشأ أن أنتزعه منك ... لكن مؤخرا ، تفطنت زوجتي لرسالة كتبتها لك ولم أرسلها وجنت و.... لذا قررت أن أنهي هذه المسرحية وأسأل الستار ... 

لا تنزعجي ولا تيأسي وكوني قوية ... تحياتي 

فلان "

ومن يومها ، وهي بذلك الكرسي اللعين ، لا يتكلم ولا تمشي ؛ وما بين الفترة والأخرى تفتح الرسالة  الملعونة وتذرف الدموع .... ثم تعيدها مكانها 

ترى إلى متى ستتحمل هذا الوجع وما ذنبها إن هي أحبت ؟ لما كل هذه القسوة ؟ لما التلاعب بقلوب الآخرين ؟ لما تلبسون الأقنعة ؟ لما تتخفوا وراءها ؟ لماذا تتلذذون بآلام الآخرين ؟ ما الغاية من ذلك ؟ 

ما الهدف من تدمير قلب وروح أحبتك ؟ 

ليتكم تدركون أن الحب كلمة بسيطة لكنها ثرية وقوية وعميقة ، فلا تتلاعبون بها واعطوها حقها وقيمتها !


رفيعة الخزناجي 

تونس 

#هلوساتي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مازلت أتنفس عطرك الذائب بقلم سامي حسن عامر

مازلت أتنفس عطرك الذائب في ردهات القلب  مازلت أكحل عيوني بصورتك تعانق النفس  مازلت في مطرا لا ينضب من حب  صوتك مازال يهمس في مهما طالت مسافا...