أمسى اليوم صديقًا للامسِ صادقه عند غروب الشمس! قبل أن يتركه وعده بأن يقص عليه ما يشهده اليوم! أبصر من طرف الحي شابًا رَاقِدًا كأن الصبحَ لم يطلع عليه دهرا ! لا عملَ ولا هما يؤرقهُ كصفحة بيضاء لم يخطها القلمُ.
دَاعبت الريح بابه طرقًا، فهززت ريش ألديكُ فصحا فصيحا و رفيقي لم يشعر.! اضحى كل كاسبٍ لرزقه سعيدا بما يحمله العمل؛ فدنت الشمس من كبد السماءِ يتساوى الظلِ من طول شبيهه؛ فقد حَلت ساعة الظهرِ،ترخي العَنان لكل كادحٍ بعمله،أجلست العمال سويا يتبادلون الطعام بينهم بما طبخت لهم الدرر؛ فذاك يعطي زميله كأس لَبن باردة وهذا يكرمه مما تشتهي الأنفس، حتى غدا الزائر فيهم شبعاً ومن بقايا فيض كرمهم نالهُ الطيرُ ، حتى أقبل الأصِيل وحزم كلُ حازم أمتعتهُ، عَائداً لبيتهِ، حاملًا مَما كَسِبه اليومِ.
ما بين هذا وذا، مازال صديقي غارقًا بَسباتٍ ليس له قعرُ؛ لعل زائرًا تعيسًا قد أرقده، بما حمل الزائر من سقمِ! أيعقل أن أدرك كل ساعات النهار ولا أبصر بما حط به البعض!
أقبل المساء باسمًا لعل عنده ما تخفي الصحف
يا صاحبي سأتركك تَغفو كما أنت ، فقد بانت ساعة الوقوب؛ فَقد وعَدتُ صديقي ألامس أن أفضي أليه ما آل اليه الأمر.
أسعدت مساءً أيها اليوم، مالي أراك مرهقا !
فهل من علل أرهقتك ولم تجد لها حيلا؟
سأتركك تعمل أيها الأمس ، التقيك أبان الفجر
سار الامس بعمله جادا ، كما اعتاد ان يعمل
زأر احياء المدينة حيا فحي؛ فرأى الأحباب معا تُزينَ أماسيهم الشمعُ! والنساء تزيل تعب الرجال بابتسامة تذهب معها الكَللُ، والأطفال تدور حولهما بما يعجز عنه الوصفُ،وموائد الطعام عامرة بما تشتهي النفسُ، بدأ التسامر بينهم حاضرًا؛ فخليل يسامر خليلهُ، وأنيس يجالس نديمه!
حتى إذا حَل الوسن رفيقا ذاب له الجفنُ، أسدل الليل ستائره فَناَم الجميع بما فيهم الأغنام والابل،
إلا كلب أبى أن ينام، فليس من طباع الكلابُ النوم؛ ففي طرف الحي كلب يرافق صديقة الهرم؛ كهلاً كأن اليوم لم يبصر سنين عمره! شعاع القمر دليله، كبصير تدله عصاته السبلَ! البدرُ يكشفُ ما عجزت عنه الشمسُ؛ فالظلال لا تدركها خيوط الشمسِ
سأحكي إليك ما صرّح به البدرُ: بالامس البعيد عائلة قطنت هذا الحي؛ فرزقهم الله طفلًا جميلًا كأنه البدر في ليلة؛ فأدخل السرور في قلوبهم من صغيرًا ودود ؛ فكبر الطفل على أعينهم حتى أمسى صبيا؛ فمن شدةّ حرصهم عليه لم يجعلوه يبصر خارج البيتُ! يتبادلان بإطعامه، كأنه عش طير تغدو مطعمًا بما يحتويه من فرخُ.
حتى زارهم ضيفًا ثقيلًا أسود ذو رؤوس عفنة كأنها طلوع الشياطين لم تشهد الأرض مثله من قبل ..
ما استقبلوه و لا دعوه ولا فتحوا له الباب
نزيلا لا تؤصد الأبواب أمامه، يقتحم الأبواب عنوةُ
حتى إذا دنا منهم منزلة صارت أنفاسهم بيده قيدُ
اتخذ من رئتيهما مسكنًا ففيها يعتاش ويرتع
يصارعان البقاء خوفًا على ثمرة تعبهما
جعلوا من السرداب محجرًا فضحوا بأنفسهم كي يحيا ابنهما ويكبر، أمسى ضيفهم عنيدا، فلم يسلم من يديه الابنُ
فقد أرقده في فراشه فلم يستطيع معه حراكا و روحيهما أبَت أن تفارق ابنهما، تطوفان عليه ليلًا
ترفرفان بجناحيهما لعلها تبعد عنه الحرُ
كم عنيد أنت أيها الوحش
يا صديقي لا تحزن، وإن اشتدت النوائب فقد جعل الله لكي شيءٍ مخرجا.
للفتى جدُ يزوره كلما غابت الشمسُ، يحمل بيده الشفاء؛ فيطلُ عليه كل ليلة ليعطيه الطعَام و الدواء، كهلًا يقاوم العلل الجِسَام، فلأ تمضي به علةً ولا داءُ! حاول اللئيم معه عنفًا، فلم يستطع ان يهزم شيخًا يعبر على الصعاب العظام كأنهن بيضًا سحاب!
حزم اللعين أمتعته مهزومًا مذعورا
هاقد بزغ فجرُ جديد، قد بدأ يوم وليد.
علاء العتابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق