الخميس، 10 نوفمبر 2022

قصة ضيعتنا بقلم عبده داود

قصة ضيعتنا
كانت السعادة تسكن في بلدتنا، بلد الحب والفرح والحياة الجميلة. 
حينذاك، لم تكن قد وصلتنا بعد وسائل الحضارة الحالية، لم يكن عندنا تلفزيونات ولا انترنت، ولا ما يسمى الفيس بوك هذا الوافد الخبيث، الذي يساهم في تخريب عقولنا. حتى الصحف كانت تصل الينا بصعوبة.
بيوتنا كانت متواضعة بسيطة أغلبها موجهة للشمس، مبنية من قوالب اللبن الترابية الشديدة الممانعة للبرد والحر. سقوفها من خشب شجر الحور المتوفر في منطقتنا، والجدران الداخلية، والخارجية نطليها مرات في الصيف بالحوار الابيض ذو الرائحة المنعشة، والورد كان زينة دورنا وبهجتها. بعضه كان يتعرش على الجدران فيزيدها جمالاً واشراقاً، بعض تلك البيوت لاتزال قائمة الى يومنا هذا. تتعايش جنباً الى جنب مع العمارات الحديثة الجميلة بخجل طفولي.... 
في ذلك الزمان. كان الرجال يعملون في الزراعة لتأمين احتياجات البيت من المواد الغذائية، ومؤونة الشتاء. ناهيك عن المحبة المتأصلة بين الفلاح والأرض، وهي أحد أسباب سعادته وارتباطه بالوطن، وجذور الأجداد...
يفلحون الأرض، يعشبونها، يسمدونها، يبذرون البذار فيها، يسقونها تماماً مثل الأم التي تطعم أولادها بحنية وهي تراهم يكبرون يومٱ
 بعد يوم بدعاء مستمر لا ينتهي... تودعهم بالقبل قبل ذهابهم للمدرسة وتستقبلهم بالقبل عندما يعودون...   
نساء ضيعتنا أغلبهن يساعدن الرجال في الحقل قبل عودة أولادهن للمنزل، كن يعرفن الوقت حسب موضع الشمس في السماء... 
أعمال الرجال والنساء كلاهما على حد سواء، اعمالا متواضعة بالكاد تسمى اعمالاً. وبالكاد تؤمن احتياجات العائلة المعيشية.
 الفقر كان يسكن بلدتنا. ولم يكن أهل ضيعتي يشعرون بفقرهم بل كانوا مقتنعين بما يزرعون وبما يحصدون، فرحين متعاونين مع بعضهم البعض...
في العصريات، يذهب الرجال الى عصرية الرجال، وتذهب النساء الى عصرية النساء. والعصرية كلمة أخذت اسمها من آذان العصر...
 وعصرية الرجال هو اجتماع الرجال وغالبا عند مختار البلدة. حيث تدور هناك أحاديث مختلفة وغالبيتها عن الزراعة وتوزيع ماء النهر بين الفلاحين، وأحاديث عامة مختلفة والشاطر من الرجال من كان يقرأ موضوعٱ ما، وينقل بعض تلك المعلومات لرجال العصرية. متفاخرا بأنه من الرجال المثقفين... 
أما في عصرية النساء. فكن يجتمعن في بيت احدى السيدات ويتبادلن أحاديث الضيعة والحب... وخاصة النميمة لا تزال أعذب الكلام، وبعدما يحتسين القهوة، واحدة تقوم بدور قارئة الفنجان، تتبصر في فناجين الراغبات في معرفة المستقبل الطالع، وتخترع لهن الحكايات التي لا يتحقق أي منها... وقارئة الفنجان تشعر بالفرح عندما تصادق إحداهن على كلامها وتقول بالفعل أنت تجدين التبصير بجدارة...
غالبا في سهرات الضيعة كانت تجتمع العائلات عند بعضها البعض. الرجال يتبارون بورق اللعب ويأخذهم الحماس أحياناً، فتعلوا صيحاتهم مستنكرين، او ضحكاتهم منتصرين... والنساء يثرثرن ويغرزن بسنانير الصوف والاشغال اليدوية. 
يختلف الامر في بعض البيوت مثلاً في بيتنا كانت سهرات رقص وغناء تحييها أمي الله يرحمها، يجتمع عندنا بعض أهل الحارة والأصدقاء، وتقوم امي بالنقر على الدربكة، وتعزم الصبايا للرقص وتحي سهرة متواضعة لكنها مبهجة وفرحة.
بعض الاهالي كانوا يخصصون قاعة كبيرة في بيوتهم يسمونها (المنزول) يستقبلون فيها الأصدقاء وغالبا يبقى المنزول مفتوحا والقهوة المرة جاهزة للضيوف. وغالبا الأحاديث عن مواضيع تتعلق يالضيعة ... 
في بعض البيوت كان يجتمع الأصدقاء وتدور الأحاديث وربما يتولى أحدهم دور الحكواتي ويسرد الحكايات ويسلى السهرانين.
أما الشباب والصبايا عندهم ألعاب مختلفة اخترعوها بأنفسهم لتمضية الوقت والتسلية يشربون المته، ويأكلون الزبيب والجوز من منتجات ارض ضيعتنا. ويغنون وغالباً الغناء لفيروز ووديع الصافي. ومنها اوبريت 
  (قصة حب) التي كنت ولا أزال أحبها إلى اليوم...
احياناً نقوم بنزهات (مشاوير) نعود بعدها لنكمل سهرتنا في الطريق، وغالباً ما كانت عند باب بيتنا القديم كونه في مكان متوسط ومناسب لنشعل النار بجانبه. احياناً نشوي عرانيس الذرة، وندير كاسات الشاي او المته، ندردش ونغني ونضحك. 
بعد أن دخلت الكهرباء الى بلدتنا ودخل التلفاز الى بيوتنا... تراجعت العصريات وتقلصت السهرات وتلاشت المشاوير، وصار عندنا أصدقاء جدد على الشاشة الصغيرة الذين فرضوا ذاتهم علينا فرضاً، وبتنا نسهر معهم ليلية ونتابع حكاياتهم، واضمحلت الحياة الحلوة في بلدتنا...
التلفاز كان أحد أسباب القضاء على الزمن الجميل، لأنه حجم علاقات الناس مع الناس وأضحى هو الحكواتي يدخل كل البيوت، بأسلوبه الشيق التي تبهرنا وننتظر عودته كل مساء... 
من ناحية ثانية كان التلفاز نقلة تثقيفية، عندما كان يقدم المواضيع الهادفة القيمة.
في ذلك الزمان امتلأت الأسطحة بالأعمدة التي تشبه القصب وهي تحمل هوائيات المحطة المحلية الوحيدة التي تصلنا بالأبيض والأسود إلى المنازل...
بعدها خلع الناس تلك الهوائيات البدائية وأحضروا عوضا عنها الصحون المدورة وهنا زاد في الطين بلة، أنتهى عندها الزمن الجميل وتقوقعت الناس في المنازل وبدأ عصرنا الحالي الذي سيطر عليه الأنترنيت والفيس بوك واليوتيوب والإنستغرام وأغلبها ساعد في فصم عرى الصداقة في المجتمعات وحتى ضمن العائلة الواحدة، صار كل واحد منا له جهازه الخاص للتواصل مع اصدقاء افتراضين أو حقيقين وتناسى أهل الدار...
ولا ندري أين سنصل في المستقبل الذي يبدو قريباً حسب التسارع الحضاري الذي نراه جارياً...
الكاتب: عبده داود
تشرين2 2022

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

حرب الكلاب بقلم احمد محمود

حرب الكلاب طلقوا علينا الكلاب          وكشرولنا انيابهم الحرب حرب وجود      معاهم هما واذنابهم يا أمة المليار      ايه جري...