السبت، 14 يناير 2023

الفتنة بقلم ماهر اللطيف

 الفتنة

بقلم: ماهر اللطيف


يقول الله تعالى في كتابه الكريم "للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن" (النساء 32)،ويقول أيضا في سورة النساء  (اية6) " للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون و للنساء نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" وغيرها من الآيات المفصلة للإرث و لأصحابه و المنتفعين به من الجنسين و المدققة فيه تدقيقا مليا ليكون الحق بينا لجميع الورثة وفق الدين واحكامه.


غير أن بعض الناس يتجاهلون النص القرآني و يتغافلون عن محتواه فيستدرجهم الشيطان و يدفع بهم إلى عالم الجشع و الطمع و حب المال و العتاد و الاعتداء على أرزاق الغير وحقوقهم، و يرمي بهم بالتالي في جحيم المعاصي و بحار السيئات الغارقة الممتلئة بدموع المظلومين و دمائهم و حتى أرواحهم بعد أن تضيق صدورهم و تغلق في وجوههم جميع أبواب الصبر و التجلد و التحدي في انتظار عدالة السماء آجلا أم عاجلا.


و من بين هؤلاء - كما أتذكر- قصة عائلة ثرية توفي الوالدان في حادث مرور أثناء عودتهما من المطار بعد إتمامهما لمناسك العمرة و كانا في طريقهما إلى العودة إلى قريتهما البعيدة عن العاصمة، إذ فقد الأب السيطرة على المقود و كانت سيارته الفخمة تسير بسرعة جنونية و انفلق إطار العجلة الأمامي فجأة ، فانقلبت العربة عدة مرات بعد أن استنجد السائق بالمكبح في لحظة خوف و رهبة و محاولة لايقاف السيارة و وضع نهاية لهذا الموقف المرعب و اصطدمت في رتل من سيارات كانت تسير في الناحية المعاكسة.


فحزن الأبناء - محمد  52 سنة، علي  40 سنة و خديجة  36سنة - حزنا شديدا و قرروا أن يبقى الأمر على ما هو عليه من حيث السكن في نفس الشقق الفاخرة بضيعة العائلة الشاسعة بجوار منزل الوالدين، و العمل بتجديد الثقة في الأخ الأكبر و توكيله على كل شيء في الإدارة و التصرف وغيرها، و العيش و التواصل كالعادة كعائلة واحدة متآزرة و متضامنة في كل الأوقات و الحالات رغم عيش كل فرد منهم وسط عائلة مستقلة - قرين و أبناء -...


ومضت السنوات دون مشاكل تذكر، و ثروات العائلة تتضاعف و تتزايد من موسم لآخر دون أن يتم تقسيم الإرث أو توزيعه بين الإخوة تقسيما مكتوبا و محددا - فقد صادف أن فعلوا ذلك مرة شفاهيا و علم كل واحد منهم ما له و ما عليه - بما أنهم كانوا يعيشون رغد الحياة قولا وفعلا.


لكن ، نجح الشيطان في زرع الحقد و الضغينة بين الإخوة أخيرا و فرق بينهم و شتت وحدتهم و اتحادهم بعد أن ضغطت زوجة علي وأجبرت زوجها على التمرد ضد أخيه و طلب الاستقلال عنه بإيعاز من أبنائهما و كذلك زوج خديجة الذي قال لها آخر مرة و هو يشحنها و يشجعها على العصيان و الثورة في وجه أخيها دون رحمة:


- يكفيه استغلالكم والاستفادة من ممتلكاتكم و ثرواتكم و كنز العتاد و الأموال له و لأبنائه و التصدق عليكم بالفتات


- (بلين وحياء) اتق الله يا هذا، إن بعض الظن إثم


- (مقاطعا بشدة) كعادتك تدافعين عنه و تناصرين ظلمه و بطشه و استغلاله و التحايل...


- (مقاطعة) أخي أشرف و انظف من تهمك و رؤاك و مزاعمك الواهية.....


و بعد كثرة الأخذ و الرد و الشحن و خلق التهم و المزاعم و تحول الحياة إلى جحيم لا يطاق، أذعن الأخوان إلى رغبة القرينين و وقفا في وجه أخيهما - و هو في مقام والدهما- و طالباه بتقرير مفصل و مدقق عن كل الأموال و الثروات و الممتلكات من ممات الوالدان إلى اليوم، و اتهماه بالسرقة و التحايل وغيرها من التهم ، ثم اتجها إلى القضاء للفصل في هذا الموضوع.


فأمسي الإخوة أعداء شعارهم في الحياة الخصام و التراشق بالتهم و تلفيق المكائد و المصائب والعراك، وباتوا بالتالي مادة دسمة تتناولها الألسن الخبيثة في هذه القرية و تؤلف القصص و الحكايات في شأنهم حتى بلغ الانشقاق بين الإخوة حده و تتالت الشكايات والدعاوى....


و تشاء الصدف أن يمرض محمد مرضا كبيرا و يتوفى على إثره بعد مدة ولم يعده أحد من عائلته ولم يكلف أخواه نفسيهما حتى القيام بواجب العزاء و تورية أخيهما التراب، بل سارعا في تعجيل تفعيل حكم تقسيم الثروة الذي تحصلا عليه من القضاء مؤخرا بعد وفاة محمد، و منعا أولاده من التصرف في اي شيء حتى يتم إعطاء كل ذي حق حقه وفق القانون ...


و كان لهما ذلك، فاستنجدا بالقوة العامة و عدول التنفيذ و قرار الحكم الذي بحوزتهما و شرعا في القيام بالإجراءات القانونية اللازمة عندما تفاجآ بصياح شخص غريب يأمرهم بالكف عن هذه التصرفات فورا و الإنصات إليه ، و قدم نفسه و هو محامي المرحوم محمد الذي أودعه وصية كتابية موثقة و مسجلة لدى السلط المعنية منذ مدة بموجب التوكيل الذي أمضاه أخواه لفائدته منذ سنوات حيث تم على إثره بيع كل العقارات و الشركات وكل الأملاك و الأموال لموكله، الشيء الذي جعل علي  يصيح و يقاطع المحامي بصوت مرتفع:


- يعني أنه استولى على كل شيء و حرمنا من حقنا الشرعي؟؟؟ يا له من أناني


- (خديجة مقاطعة وصائحة) لا رحمه الله و لا بارك فيه


- (المحامي معقبا) استغفرا الله العظيم و اذكراه بخير، فلا يجوز الدعاء عليه. لم تتركاني أواصل كلامي (وهما ينصتان إليه بانتباه) و بعد سنوات تضاعفت الثروة ثلاث مرات و كذلك الشركات و العقارات بفضل حنكة و حرفية أبنائه المهندسين الذين أسسوا شركة خاصة بهم من مالهم الخاص بما انهم كانوا يعملون مع عدة رجال أعمال و شركات أخرى. ومنها، باع السيد محمد كل ما يملك بالتساوي إلى أخيه علي واخته خديجة منذ سنتين ولم يترك لنفسه و لو مليما واحدا و كلف المحاسب - محاسب المرحوم - بمتابعة كل الحسابات و التحويلات وغيرها و إنجاز تقارير مفصلة و مدققة عن كل حركة ونشاط. و بالتالي ،بإمكانكما الاتصال بالمحاسب بعد مدكم بالوصية - البيع - ليشرف كل منكما على رزقه وممتلكاته...


و رغم ذلك، فقد رفعا قضية عدلية ضد أبناء أخيهما قصد التدقيق في أموالهم و ممتلكاتهم و معرفة مصدرها بعد أن حرماهم من مساكنهم التي عادت ملكيتها لهما و بذلا قصارى جهدهما للنيل منهم إلى آخر يوم من حياتهما مما اضطرهم إلى الهجرة نهائيا...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ملاحم لا يمحوها الزمن بقلم إسحاق قشاقش

(ملاحم لا يمحوها الزمن) مهما يُحاك ضدنا من الفتن وتطول معاناتنا بالمحن سنبقى نتصدى للعدوان لأننا نحن حُماة الوطن ونحن من قدم أبنائه قربان بم...