السبت، 9 نوفمبر 2024

ماء .. و دماء بقلم مصطفى علاء بركات

ماء و دماء 

قصة قصيرة
 

قلعة ذات أسوار عالية تكاد تغطى على ما خلفها من جبال ، أسوارها شديدة الارتفاع ، على كل نصف متر يقف جندى برأس عار ، تغطي صدره بالكامل صفائح معدنية سميكة ، بيده رمح يصل طوله لثلاثة أمتار مدبب من الأمام و موجه إلى الأسفل ، ترمى الشمس المتوهجة بخطوطها العريضة على واجهة القلعة ، و تحيط بها فيما يشبه أذرع الأخطبوط - كانت فيما مضى حصن حربى يحتمى الرماة بأسوارها العالية ، و يراقب القادة من أعلى سير المعركة ، و توجيه الجنود عبر الأنفاق و التجاويف الصخرية على جانبى القلعة لكن الحروب توقفت من زمن ، و فى الأسفل و على بعد أمتار قليلة تتناثر أعداد لا نهائية مثل رمال الصحراء من المبانى المصنوعة من الحجر القديم ، هنا و هناك بشكل عشوائي غير منتظم ، تتصاعد منها رائحة التراب و الدخان المحترق 

من الناحية الخلفية لسطح القلعة ، و عبر مدخل قادم من الأسفل شديد الإتساع ، دوت أصوات متسارعة من أقدام الجند و صهيل مرتفع لعدد من الخيول و صوت جهورى يهتف : شيخ القبيلة ... شيخ القبيلة العظيم ... و بخطوات عسكرية منتظمة ، فوق تلك الأرضية المغطاة حديثا بالكامل بصخور مسطحة سوداء شديدة النعومة ، إصطف على شكل نصف دائرة مجموعة من الفرسان يبدو عليهم كبر السن و يحملون دروعا ضخمة و خناجر صغيرة ، إرتفع زئير مرعب لأربعة نمور ضخمة يحيط بكل واحد منهم أربعة رجال تبرز عضلاتهم السمينة و هم يجذبون السلاسل الحديدية التى ترك بعضها خطوط دموية فى أعناق تلك النمور ، و خلفهم مباشرة ، على عرش ذهبى اللون مرصع بجواهر حمراء و زرقاء تتلألا ، وضع الجنود أيديهم على أعينهم بخوف و حذر من إنعكاس أشعة الشمس الحارقة على أعينهم من تلك الجواهر الضخمة ، كان جالسا على العرش ، رأسه ضخمة مستطيلة صلعاء تماما ، ذقنه طويلة كثيفة تغطى نصف جسده الفارع ، عينيه جامدتين شديدتى الإتساع ، قابضا بيده اليسرى على سيف ذهبى المقبض ، له رأسين مدببتين من الأمام مثل لسان الثعبان ،، قفز فجأة على العرش فإنتفضت عضلات فخذيه الأمامية ، رفع صدره للخلف و فتح ذراعيه بأقصى إتساع ممكن ، فاحدثت الأسوار الذهبية الضخمة التى تحيط بمعصميه صوتا مثل عدة أجراس متوالية ، صرخ صرخة مدوية ، إهتزت أيدى الحراس تحته ، و نظر بعضهم إلى بعض بتوتر ، رفعوا رماحهم سريعا لأعلى بحركة غير منتظمة ، إصطدمت بعض الرماح ببعض ، و رددوا بأصوات متسارعة :
 شيخ القبيلة العظيم ، شيخ القبيلة العظيم ، منقذ الأرض المقدسة ... منقذ الأرض المقدسة ، شيخ القبيلة العظيم ... 
نظر لهم بفخر و إعتزاز و حرك رأسه و علامات الرضا على وجهه ، ضرب بقدمه اليسرى بقوة ، فاهتزت الجمائم المعلقة على سيقان عرشه الذهبى ، إنقض جالسا عليه ، و غرز سيفه بقوة مابين رجليه على سطح اللوح الصلب ، الذى يحمله عشرون جنديا فإهتزت سيقانهم و سرعان ما إلتحموا ببعضهم فى كتلة واحد حتى لا يضطرب العرش ، و ركعوا على سيقانهم المهتزة بحذر ، حتى سكن اللوح المعدنى على قوائمه الأربعة على سطح القلعة ، و هم يرددون فى ضعف 
- شيخ القبيلة .. شيخ القبيلة العظيم 
أشار لاحد الرجال كبير البطن ، يرتدي عمة كبيرة سوداء اللون ، إنحنى الرجل و فتح ذراعيه و هو يخفض رأسه ، ثم تراجع للخلف قائلا 
- أوامرك يا شيخ القبيلة العظيم 
فرك خاتمه الذهبى المستدير بأصبعه الكبير الخشن 
و هو يقول بصوت أجش بطىء
هاااه ... ما أخبار موسم الصيد ؟
بالأمس يا سيدى ... أرسلت مائة جندى ... مائة جندى من الأفضل عندنا لمساعدة الصيادين .. فور ان وصل لى رسولكم الكريم ... أمرتهم ان يتركوا كل شىء و ياخذوا أسلحتهم ...
قاطعه ( شيخ القبيلة ) بيده اليمنى و أشار بها مثل السيف ، و نظر إلى شاب بثياب جلدية قصيرة كان متكئا على السور ، قفز تجاهه و إنحنى على الأرض حتى صار بحجم ركبة شيخ القبيلة و ظل يحدثه بصوت منخفض و الأخير يستمع باهتمام ، ثم أشار له بالانصراف ، و أشاح بيده للرجل البدين ذو العمة السوداء ، الذى تراجع للخلف و رقبته لا تتوقف عن الانحناء ، نظر إلى رجل طويل القامة نحيف أسمر ، أمعن النظر اليه ، إرتبك الرجل و نظر حوله ثم أشار لنفسه ، حدق شيخ القبيله له و قد تقوست حاجبيه الكثيفان حتى تلامسا فوق خطوط جبهته الغاضبة المتشابكة
تقدم الرجل بخطوات واسعة سريعة تناسب ساقيه الطويلتان ، و إنحنى على ركبتيه 
- أوامرك يا شيخ القبيلة العظيم 
 - الخزانات الملكية ... لماذا لم تملأ حتى الأن 
أليس هذا موسم جمع الأمطار ؟
إبتلع الرجل ريقه و قال و هو يرتجف
كما إعتدنا يا سيدى ... نخزن فى الأنفاق ما يكفى لزراعة الحبوب و الباقى نترك لعظا..
إرتفعت شهقات معظم الحاضرين ، عندما
وقف ( شيخ القبيلة ) فجأة بجسده الفارع الضخم ، و قد إحمر وجهه المستطيل الضخم و إهتزت لحيته الكثيفة 
- حبوب ! ألا تعرف ما نمر به أيها الغبي 
و نزع سيفه بقوة و لوح به فى الهواء محدثا صوتا يشبه الكرباج ، و أشار بأصبعه إلى أسفل قدميه و هو يصرخ : 
 إستقرار مملكتنا فوق كل الاشياء 
لن يمس هذه البلاد احد طالما أنا هنا !
و أرجع ذراعه للخلف و ألقى السيف بقوة ليستقر فى صدر الرجل النحيف ، الذى كان أصلا راكعا على ركبتيه يهتز من الخوف ، نظر ( شيخ القبيلة ) إلى يساره ، تصاعدت همسات الرجال مفتولى العضلات ، سمع صوتا مثل فتح قفل معدنى قديم ، قفزت النمور تمزق جسد الرجل بسرعة و نهم شديد و قد تطايرت الدماء على وجوه الحاضرين ،، و بعد دقائق صرخ صرخ صوتا من بعيد 
يا سيدى ، يا ( شيخ القبيلة ) ، نتعرض لهجوم من الأمام يا سيدى ، من أمام القلعة 
بحث شيخ القبيلة عن سيفه لم يجده ، نزل بخطوات بطيئة من على عرشه 
أين الجنود يا وزير ، لماذا لا أحد فى المؤخرة
يا سيدى .. لقد أمرتنى بإرسال الدعم .. إلى 
... فرق الصيد 
جذبه من عنقه و رفعه لأعلى و هو يهزه كاللعبة و يصرخ 
انهم مائة ... أين الباقى ؟؟
حاول أن يتكلم بصعوبة و هو يكاد يختنق 
يا سيدى .. أمرتهم ان يراقبوا كل من لم يحضر اليوم ... 
ألقاه بعنف على الأرض فسمع صوت تحطم أخشاب لينة ، جز على أسنانه ، تصاعد صوت إحتكاكها ، صرخ و قد رفع قدميه ليسحق رأسه
و الفرقة .. الخاصة .. الملكية 
أشار بأصبعه المرتجفة للحشد ، فتقدم عبرها عشرات من الرجال معتدلى القامة ، يلبسون ثياب قديمة ممزقة كانوا مندسين داخل الصفوف ، ارتفع صراخ النساء و اتسعت أعين الرجال فزعا ، إخترقت الأسهم المرتفعة رأس احد الجنود الواقفين على القلعة ، بدأ الجنود ينظروا يمينا و يسارا ، اما عامة الحاضرين فقد تجمدوا أماكنهم من الخوف ، إنطلق الجنود ذوى الدروع الكبيرة لحماية جنود القلعة الذين تساقطوا واحد تلو الآخر ، كانت حركتهم ثقيلة و عندما حاولوا إلقاء الرماح ، نزلت أسفل القلعة مباشرة ، فوق تلك البيوت الصخرية المتناثرة ، حاولوا توجيهها للأعلى و الأمام و لكنها كانت ثقيلة و موجهة للداخل ، تعالت الصرخات ، كانت النمور وحدها بلا قائد ، صار البعض يجرى هنا و هناك ، حاول بعض الشباب القفز من فوق سور القلعة ، فإخترقتهم الأسهم ، نظر حوله بغيظ شديد و مضى يجرى تجاه المدخل السفلى الواسع ، كانت الأرض شديدة النعومة و الإنحدار ، إنزلق على ركبتيه ، إنقلب على وجهه ، و قد تلطخ باللون الأحمر ، مسح عينه و قد غطته رائحة الدماء ، وصل إلى القاع إنحرف يسارا عبر طرق ملتوية لا يعلمها غيره ، أعدت كمخازن و سجون ، كان المكان شديد الظلام لا يرى موضع قدميه ، تفوح فى المكان رائحة خشب متعفن و ماء معطن ،
 براميل من المياه كثيرة و موضوعة فوق بعضها بعناية عشرات الأعمدة ، كل عمود خمسة براميل ظل ينظر هنا و هناك ، ضرب بقبضته أحد البراميل السفلية ، إنفجرت المياه و غسلت ما عليه محدثة بركة تحت رجليه إنزلق فيها ، حاول القيام سَرِيعاً ، إشتبكت أساوره الذهبية بقطع طويلة حادة متهشمة من براميل المياه ، أمسك القطعة الخشبية بأسنانه لينزعها للخلف ، إتسعت عيناه فى فزع شديد ، و تراخت أسنانه الضخمة ، كانت النمور أمامه، يتعالى صوتها فى تحد و تتقدم بخطوات بطيئة ، و إختلط الماء بالدماء ...

( تمت )
مصطفى علاء بركات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

من شفاهِ نرجسةٍ بقلم حكمت نايف خولي

حكمت نايف خولي  من شفاهِ نرجسةٍ من شفاهِ نرجسةٍ والهةٍ رشفتُ خمرةَ الهوى .... نبيذاً معتَّقاً في وعاءٍ من نور ... نبيذاً مقدَّساً معطَّراً ب...